النهار

٢٥ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٥ ديسمبر-٢٠٢٥       14245

بقلم - عبدالمحسن محمَّد الحارثي

يقول المؤرخ الإنجليزي توماس كارلايل: «تاريخ العالم ليس إلا سِيَر الرجال العظام»، وفي تاريخ الاتحاد كان الأمير طلال بن منصور بن عبدالعزيز – رحمه الله – واحدًا من أولئك الرجال الذين لا يمرون مرورًا عابرًا في دفاتر الزمن. 
رجالٌ إذا ضاقت الأزمنة اتسعت قاماتهم، وإذا اهتزت الكيانات ثبتوا كالأوتاد. 
من هنا جاء تكريمه من مجموعة أجيال الاتحاد، لا بوصفه احتفاءً بذكرى، بل استدعاءً لمرحلة، وتأكيدًا على أن المنقذين لا يغيبون، وإن غابوا.

الحفل، في نموذجيته وهدوئه ؛ جسّد ما قاله الفيلسوف الروماني سينيكا: «العظمة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج». 
كل تفصيلة بدت وكأنها تُحاكي شخصية الأمير الراحل؛ حزم بلا قسوة، وقيادة بلا استعراض، ووفاء لا يرفع صوته بل يرفع المعنى.

وكان للفن التشكيلي ركنه الواسع، حيث أبْدَع الفن التشكيلي "فنانون وفنانات" في رسم صورة المحتفى به، كلٌّ بطريقته الخاصة، وكأنهُم يُترجمون مقولة بابلو بيكاسو: «الفن يمسح عن الروح غبار الحياة اليومية»..

تعددت المدارس، وتوحّدت الملامح ؛ لأن القيم حين تكون راسخة لا تختلف عليها الرؤى، ولأن الأمير كان فكرةً قبل أن يكون صورة.

وقبل وجبة العشاء ؛ جاء الفيلم الوثائقي المرئي من المخرج مسفر المالكي " سِيْرة عِشْق" في واحدة من الملاحم الإنقاذ ؛ ليؤكد ما قاله الأسطورة يوهان كرويف: «كرة القدم تُلعب في الملعب ؛ لكنها تُدار في العقول». 
كان الاستعراض بمثابة تذكيرٍ بأن الاتحاد في تلك الحقبة ؛ لم يكن يبحث عن فوزٍ عابر، بل عن نجاة كيان، وقد كان الأمير طلال بن منصور رجل القرار في زمنٍ شحيح الخيارات.

وبعد وجبة العشاء ؛ حضر الفن مجددًا، هذه المرة بقيادة فرقة (أبو سراج)، حيث امتزج الصوت بالذاكرة، والإيقاع بالحنين، في تجسيدٍ حيٍّ لما قاله جبران خليل جبران: «الموسيقى لغةٌ لا تحتاج إلى ترجمة»..كان الطرب امتدادًا للحكاية، لا فاصلًا عنها.

وشهد الحفل حضور كوكبة من لاعبي الاتحاد القدامى، إلى جانب عدد كبير من الإعلاميين البارزين..دارت الحوارات، واستُعيدت الذكريات، وغلب الشيب على الرؤوس، لكن القلوب بقيت فتية، في مشهدٍ يختصر ما قاله بيليه: «النجاح دون احترام التاريخ لا يدوم»..هنا امتزج الماضي بالحاضر، لا صراعًا، بل تواصلاً.

ويُحسب نجاح هذا العمل للقائمين عليه؛ مؤسس مجموعة أجيال الاتحاد الكابتن بدر عمرو، والعضو المؤسس الكابتن طلال سنبل، والرئيس الفخري للأجيال الكابتن المهندس عبدالله بن بكر، الذين جسّدوا عمليًا مقولة بيتر دراكر: «أفضل طريقة للتنبؤ بالمستقبل هي أن تصنعه»، فصنعوا حدثًا يليق بالتاريخ.

كما تجلّى البعد الاجتماعي في رعاية رجل المال والأعمال عبدالله الغامدي، وفي مبادرة صاحب قاعة القصر الأستاذ سعود العرابي الحارثي، الذي أسهم في إنجاح المناسبة بتخفيض تكاليف القصر والعشاء بنسبة 50٪، في تأكيدٍ لما قاله ابن خلدون: «التكافل أساس العمران».

في ذلك المساء، لم يكن الأمير طلال بن منصور مجرد اسمٍ في برنامج، بل كان حاضرًا في كل ركن، وكل فقرة، وكل زاوية، وكل عبارة..وكأن المكان بأكمله كان يردد مع نيتشه: «من يملك لماذا يعيش، يتحمّل أي كيف»..لقد كان الأمير هو الـ«لماذا» في واحدة من أصعب مراحل الاتحاد!!

رحم الله الأمير طلال بن منصور، فالرموز – كما قال أرسطو – «لا تموت، بل تتحول إلى قيم». ومن القيم تُبنى الأجيال، وتُصان الكيانات، وتبقى الحكاية مفتوحة… لكل قارئٍ يتذوق هذه الحلوى بطريقته!!