النهار

٢٤ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ ديسمبر-٢٠٢٥       14355

بقلم - لواء. م. عبدالله ثابت العرابي الحارثي 
لم يعد مستغرَبًا أن نشهد كل يوم تطبيقًا جديدًا، أو منصة مختلفة، أو نموذجًا تقنيًا مبتكرًا؛ فالسوق الرقمي يعيش سباقًا محمومًا لا تتنافس فيه الشركات على جودة الخدمة فحسب، بل على ما هو أخطر وأثمن: الإنسان ذاته، وبياناته، وسلوكه، وخصوصياته… ذلك «الذهب الأسود» الذي أضحى وقود العصر الرقمي.

ظهر مؤخرًا في الولايات المتحدة تطبيق يُدعى Nion، يقوم على فكرة تبدو في ظاهرها بسيطة: تُجرى مكالماتك من خلال التطبيق، وبدلًا من أن تدفع رسوم خدمة الاتصال، يُمنح لك مقابل مالي. غير أن السؤال الذي لا يُطرح بوضوح هو: ما الثمن الحقيقي؟ وهل المال هنا مكافأة بريئة، أم وسيلة ناعمة لفتح الأبواب المغلقة على أدق تفاصيل الحياة؟

نحن لا نتحدث عن مكالمة عابرة، بل عن جوهر العلاقات الإنسانية: حديث أم مع ابنها، زوج مع زوجته، أخ مع أخيه، صديق مع صديقه. هذه المساحات كانت، ولا تزال، في الفطرة الإنسانية مناطق آمنة، محاطة بحد أدنى من الخصوصية والاحترام والسرية. فكيف أصبح من المقبول أن تُعرّى هذه العلاقات، وتُراقَب، وتُحلَّل، وربما تُخزَّن، مقابل عائد مالي زهيد؟

المسألة لم تعد تقنية بحتة، بل أخلاقية وقيمية في جوهرها. فما يحدث اليوم هو تطبيع خطير مع فكرة أن الخصوصية قابلة للبيع، وأن المبادئ يمكن التنازل عنها إذا كان المقابل مغريًا، ولو كان هذا الإغراء مؤقتًا أو وهميًا.

وفي عالم مواقع التواصل الاجتماعي، لم يعد السؤال: «هل بقيت لنا خصوصية؟» بل أصبح: هل أصاب مبادئنا وقيمنا خلل؟ كثير ممن يعملون في هذا المجال تبنّوا قناعة خطيرة مفادها أن الغاية تبرر الوسيلة، وأن المال، أو الشهرة، أو التفاعل، تبرر أي تجاوز، وأي انتهاك، وأي تسليع للإنسان وقيمه. وهنا يكمن الخطر الأكبر: حين يتحول الإنسان من صاحب قرار إلى منتج.

وقد مرّ مجتمعنا السعودي في فترات سابقة بتجارب مؤلمة من هذا النوع، حيث استُبيحت الخصوصيات، وذابت القيم، وتحوّل بعض المحتوى إلى إساءة للمجتمع قبل أن يكون إساءة للأفراد. غير أن التنظيمات التي أقرتها الدولة – أعزها الله – وضعت حدًا لهذا الانفلات، وأعادت ضبط المشهد، ورسّخت مبدأ أن الحرية لا تعني الفوضى، وأن التقنية لا تعني التفريط.

التقنية ليست عدوًا، ولا التطور خطرًا في ذاته، لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين يُقنع الإنسان نفسه بأن التنازل عن خصوصيته أمر عادي، وأن بيع جزء من كرامته ثمن مقبول مقابل المال. إن ما تفعله تطبيقات مثل Nion وأشباهها ليس مجرد ابتكار تقني، بل اختبار صامت لحدود الإنسان: إلى أي مدى هو مستعد أن يبيع؟ وماذا يتبقى لديه إذا صار كل شيء قابلًا للتسعير؟

الخصوصية لم تكن يومًا ترفًا، بل قيمة، وخطًا أحمر، وحصنًا أخيرًا للإنسان في وجه الاستباحة. وحين تُكسر هذه القاعدة، لا نخسر بيانات فحسب، بل نخسر أنفسنا شيئًا فشيئًا.