النهار

٢٤ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ ديسمبر-٢٠٢٥       11385

بقلم - جمعان الكرت 

دومًا اتساءل ماذا يعني التقاعد؟ ذلك المفترق الصامت الذي يصل إليه الإنسان بعد رحلةٍ طويلة من الالتزام، حيث تخفّ ضوضاء الصباحات، حين تتجه إلى مقر عملك وتسكت ساعات المنبّه، ويغدو الزمن أكثر اتساعًا وأقلّ استعجالًا.
هل هو نهايةُ مرحبة كُتبت بعناية، أم بداية مرحلة جديدة لم تُرسم سطوره بعد؟
قد يبدو  التقاعد  في ظاهره انفصالا عن العمل وتركًا للمكان المعتاد ، لكنه في العمق اتصال أعمق بالذات.
هو لحظة مراجعة، يلتفت فيها الإنسان إلى الوراء لا ندمًا، بل تقديرًا لما أنجز، لما ترك من أثر طيب، ثم ينظر إلى الأمام متسائلًا: ماذا بقي لي من الحلم؟ وماذا أستطيع أن أهب للحياة خارج إطار الوظيفة؟
التقاعد ليس فراغًا كما يُخشى، بل امتحانٌ للمعنى.
فمن اعتاد أن يُقاس حضوره ببطاقة دوام، سيشعر في البداية بارتباك السؤال: من أنا الآن؟
أما من أدرك أن قيمته تتجاوز المسمّى الوظيفي، فسيكتشف أن  التقاعد  يحرّره لا يُلغيه.
تلك الابتسامات التي نراها على وجوه المتقاعدين ليست واحدة.بعضها صادق، لأن صاحبه تصالح مع الزمن، وفهم أن الراحة ليست كسلًا، وأن البطء ليس ضعفًا.
وبعضها حذر، يخفي خلفه خوفًا من الوحدة، أو من شعورٍ مفاجئ بأن المجتمع لم يعد ينتظر منه الكثير.
وهنا تكمن المفارقة:  التقاعد  لا يُنهي دور الإنسان، بل يغيّر طريقته في الحضور.
في  التقاعد  تعود الأشياء الصغيرة لتكتسب قيمتها: فنجان قهوة  في زاوية من ركن لمقهى عتيق بلا استعجال، قراءة مؤجّلة لكتب مكثت سنوات على الأرفف مشي مع النسيم الصباحي ، ممارسة لهواية مخبوءة  حديثٌ طويل مع النفس لم يكن يجد وقتًا.
وهو أيضًا موعدٌ صريح مع الجسد؛ الجسد الذي صبر كثيرًا، وآن له أن يُستمع إليه، لا أن يُستدعى فقط عند الألم.
فالتقاعد يعيد ترتيب الأولويات: الصحة قبل الإنجاز، والطمأنينة قبل السباق.

غير أن أخطر ما في  التقاعد  أن يُفهم على أنه نهاية العطاء. مما يبدو  الشحوب في ملامح بعض المتقاعدين .
فالتجربة، والحكمة، وسعة الرؤية التي يحملها المتقاعد هي ثروة لا تُقدّر بثمن.
قد يتقاعد الموظف، لكن لا تتقاعد الرسالة،
ولا تتقاعد الكلمة،ولا يتقاعد الأثر.

التقاعد فرصة نادرة لأن يتحوّل الإنسان من منفّذٍ للمهام  متقيد بالوقت إلى صاحب رؤية، ومن جزء في منظومة إلى شاهدٍ عليها، ومن صانع وقت للآخرين إلى صانع وقتٍ لنفسه.

ولعلّ أجمل ما في  التقاعد  أنه يعلّمنا درسًا متأخرًا لكنه ثمين: أن الحياة ليست سباقًا دائمًا، وأن القيمة لا تُقاس بعدد السنوات في الخدمة، بل بعمق الأثر، وصدق النية، وحسن التعامل وجمال الأخلاق .
فماذا يعني التقاعد؟
هو ليس وداعًا للحياة، بل مصالحة معها، ليس انسحابا من الضوء، بل انتقالٌ إلى ضوء أهدأ…
ضوء يسمح لنا أن نرى أنفسنا بوضوحٍ أكبر. نتصالح مع ذواتنا  أعود مرة ثانية لذات السؤال: ماذا يعني التقاعد؟

أهو استراحة محارب بعد أعوام طويلة من العطاء، ومواسم متتابعة من الجهد والمسؤولية؟
أم هو فسحة تنفّس مؤجَّلة، يعود فيها الإنسان إلى هواياتٍ أضاعها بين دفاتر العمل وساعات الالتزام، فنامت في طيّ النسيان حتى أذن لها الزمن أن تستيقظ؟

أم لعلّه وقفةُ تأمّل استعداد هادئ لاستقبال ما يخبّئه الدهر من مفاجآت، بوجهٍ أقلّ استعجالًا، وروح أكثر تصالحًا مع الوقت؟
أم هو التفات صادق إلى الجسد، إلى صحّة طال إهمالها، ومواعيد أطباء أُجّلت كثيرًا بحجّة الانشغال والعمل؟

أسئلةٌ تتوالد، ولا جواب شافيًا يضع حدًّا لهذا الفضول المشروع.
أقف للمرة الثانية متأمّلًا تلك الابتسامات التي تملأ ملامح المتقاعدين؛ هل هي ابتسامات رضا حقيقي، أم أقنعة هدوء تخفي خلفها حنينًا إلى زمن مضى؟
هل هي فرحة الانعتاق من قيود الوظيفة، أم محاولة أنيقة للتعايش مع مرحلة جديدة لم تتضح معالمها بعد؟

أخبروني… فقد مررتُ ذات التجربة، قبل عقد من الزمن وعشت التحوّل بكل ما فيه من دهشة وتساؤل، ومع ذلك ما يزال السؤال قائمًا، والإجابة معلّقة بين القلب والعقل.
فماذا يعني  التقاعد  بالضبط؟
أهو نهاية دور وبداية آخر؟
أم تحوّل في شكل العطاء لا في جوهره؟
أم مرحلة تُقاس بما نمنحها من معنى، لا بما تُفرض علينا من فراغ؟

لعلّ التقاعد، في جوهره، ليس انسحابًا من الحياة، بل عودة إليها بصورة أكثر صفاءً، حيث يصبح الوقت ملكك، وتغدو الأيام مساحةً لإعادة اكتشاف الذات، وتتحوّل الخبرة المتراكمة من وظيفة رسمية إلى حكمة إنسانية ناضجة.

حفظكم الله،وجعل أعماركم – قبل  التقاعد  وبعده – عامرة  بالصحة والسعادة والتأمل واستثمار الهواية …