النهار
بقلم - لواء م عبدالله ثابت العرابي الحارثي
ليس الأول من رجب يومًا عاديًا في الذاكرة السعودية، بل صار ،مع مرور السنوات ،موعدًا صامتًا اتفقت عليه أعمار أجيال كاملة، خصوصًا من مواليد ماقبل الثمانينات الهجرية والستينات الميلادية، ومن سبقهم ولحقهم في بعض الأعوام. يوم لا يحمل مناسبة محددة، لكنه اكتسب قيمته من الناس ومن النظام ومن تراكم الزمن، حتى غدا نقطة التقاء تاريخية تُستعاد فيها الأعمار دفعة واحدة، خصوصًا لمن لم يُثبت لهم يوم وشهر ميلادهم الحقيقي.
الدولة السعودية لم تختر الأول من رجب كعيد ميلاد شعبي، بل اعتمدته نظاميًا لحل مشكلة إدارية وقانونية تتعلق بتسجيل تواريخ الميلاد الرسمية. قبل انتشار شهادات الميلاد الدقيقة، كان كثير من السعوديين لا يعرفون يوم وشهر ميلادهم، ومع بدء العمل بالهويات الوطنية واجهت الجهات الحكومية صعوبة في تدوين التواريخ بدقة، بينما كان تحديد التاريخ مهمًا لأغراض التقاعد والخدمات المرتبطة بالعمر.
كحل وسط، أُصدر أمر باعتماد منتصف السنة الهجرية كتاريخ ميلاد (أول يوم من شهر رجب – 1/7 هـ) لكل مواطن لا يعرف يوم وشهر ميلاده الفعلي، مع الحفاظ على سنة الميلاد الحقيقية. وقد اختير هذا التاريخ ليكون منتصف العام الهجري تقريبًا، بحيث لا يكون مبكرًا جدًا ولا متأخرًا جدًا، فصار التاريخ الموحد الأكثر شيوعًا في سجلات ملايين السعوديين.
مع مرور الزمن، أصبح الأول من رجب موعدًا اجتماعيًا وداخليًا يربط شريحة واسعة من المجتمع، وهو يوم فرح داخلي وبداية سنة عمرية جديدة تُستقبل بالدعاء أن يكون عام خير وبركة، وصحة وسعادة. ليس احتفالًا صاخبًا، بل شعورًا جماعيًا ناعمًا يمرّ على القلوب مرور النسيم.
ومن هذا المعنى الإنساني، يمكن أن يكون هذا اليوم فرصة للودّ والاتصال بالآباء ، بمكالمة، أو رسالة، أو زيارة، لا من باب فرض الحقوق أو المحاسبة – فحق الوالد ثابت في كل وقت وكل زمان – بل من باب التذكير، وتخصيص اللحظة، وإظهار المودة والتقدير، ولتفرح القلوب أحيانًا بالإشارة الصغيرة كما تفرح بالفعل الكبير. نعم، الشرع بيّن الحقوق وحدّد الواجبات، ونحن – ولله الحمد – في مجتمع يعرف قدر والديه ويقوم بما عليه، لكن لا ضير أن نمنح هذا اليوم رمزية إضافية للتواصل والاهتمام والدعاء، ولإظهار دفء المودة وصدق البر وجمال الوفاء.
هكذا أصبح الأول من رجب أكثر من مجرد تاريخ، بل رمزًا لجمع القلوب وربط الناس بالزمن والمجتمع، ولتقدير اللحظات المشتركة، خصوصًا لمن لم يعرفوا يوم ميلادهم بدقة، ليكون يومهم موحدًا يجمعهم في ذكرى خاصة، وإن كانت افتراضية من حيث اليوم والشهر.