النهار

١٩ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٩ ديسمبر-٢٠٢٥       8580

بقلم _ سيماء المزوغي

اللغة العربية هي لغتي الأولى، أحملها في جيناتي، وهي النبض الذي يسري في عروقي منذ أول حرف نطقته. تعلمتها فاحتضنتني حتى صارت الكلمات جسورًا تصل بين داخلي والعالم. الكتابة بالنسبة لي تنفس حيّ، وشريان يربطني بما أفكر وأحس وأحلم به. هذه اللغة تمنحني القدرة على الشعور والتعبير، وعلى أن أكون أنا في كل لحظة.

وفي لحظات التحوّل الكبرى، تعود اللغة إلى الواجهة بوصفها أكثر من وسيلة للتواصل. حيث تتحوّل إلى فضاء تُعاد فيه صياغة علاقة الإنسان بالعالم. ومع تسارع الذكاء الاصطناعي، تبرز اللغة العربية بوصفها سؤالًا مفتوحًا حول موقع الإنسان العربي داخل أنظمة تتعلّم وتتفاعل وتأوّل.

داخل هذا السياق تحديدا، تتقدّم السعودية بمقاربة ترى في اللغة العربية عنصرًا فاعلًا في مشروعها التقني والثقافي. إذ أنّ اللغة هنا تدخل مجال الذكاء الاصطناعي من باب الشراكة، بوصفها بنية تفكير تحمل تاريخًا من الدلالة، وطريقة خاصة في ترتيب المعنى، وفهم الزمن، كذلك العلاقة بين الفرد والجماعة.

وهنا يتشكّل الذكاء الاصطناعي عبر اللغة، إذ تتحوّل الكلمات إلى بيانات، كما تتحوّل السياقات إلى خرائط احتمال، والمعاني إلى مسارات قرار.. حين تكون العربية حاضرة في عمق هذه العملية، فإنها تنقل معها رؤية للعالم تشكّلت عبر قرون من التجربة الإنسانية، وتضعها في قلب أنظمة تصنع المعرفة الجديدة.

ما يلفت في التوجّه السعودي هو شموليته.. حيث تُدرج اللغة العربية ضمن رؤية واسعة تربط التقنية بالمعرفة، كما تربط الابتكار بالسيادة، وأخيرا السوق بالإنسان. وهنا نرى أنّ الاستثمار في النماذج اللغوية العربية، وفي البنية التحتية الرقمية، وفي البحث التطبيقي، يعكس وعيًا بدور اللغة في تشكيل موقع المجتمع داخل التحولات التكنولوجية العالمية.

بما أنّ العربية لغة متعددة الطبقات، فالكلمة فيها تحمل أثرًا تاريخيًا، ودلالة معاصرة، وظلًا شعوريًا. فإنّ إدخال هذا التعقيد إلى الذكاء الاصطناعي يشبه تدريب الأنظمة على الإصغاء للتجربة الإنسانية كما تُعاش، بما فيها من تردّد، ومرونة، وتحوّل أيضا. وهنا يتحوّل العمل التقني إلى ممارسة ثقافية دقيقة.

وعند النظر إلى المشهد العربي الأوسع، تظهر تجارب مختلفة في التعامل مع هذا التحوّل. ففي الإمارات، يتجسّد حضور تقني وبحثي لافت، مع نماذج لغوية متقدمة وانخراط واسع في الفضاء العالمي للذكاء الاصطناعي. وكأن اللغة العربية هناك تتحرّك داخل المختبرات، وتشارك في سباق الابتكار العلمي.

أما في قطر، فيتخذ الرهان طابعًا معرفيًا أكاديميًا. تنمو المشاريع داخل الجامعات ومراكز البحث، وتربط اللغة بتطبيقات متخصصة في الإعلام والتعليم وتحليل المحتوى. كما أنّ المسار تراكمي يمنح اللغة عمقًا علميًا ويؤسس لخبرة طويلة النفس.

وفي مصر، يتجلّى ثقل لغوي تاريخي، عبر جهود الرقمنة، والمعاجم، والتنظيم المعرفي للغة. هذا المسار يهيّئ العربية للدخول إلى العصر الرقمي محمّلة بذاكرتها المؤسسية والثقافية.

داخل هذا التنوّع، تبرز السعودية بثقل استراتيجي حضاري.. حيث تٌفهم اللغة العربية هنا باعتبارها جزءًا من القدرة على إنتاج المعرفة، وعلى تمثيل الإنسان العربي داخل الأنظمة الذكية. هذا التوجّه يضع اللغة في موقع المشاركة في صناعة المستقبل، لا في هامشه..

ويفتح هذا التوجه أسئلة دقيقة حول شكل العربية التي تدخل الذكاء الاصطناعي. العربية المعيارية، والعربية اليومية، ومستويات التعبير المختلفة، فجميعها تشكّل نسيج التجربة الإنسانية. كما أنّ التعامل مع هذه التعددية يمنح الذكاء الاصطناعي قدرة أوسع على فهم الإنسان كما هو.

وحين تُمنح اللغة هذه المساحة، يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى مجال تفاعل بين التقنية والمعنى. العربية هنا تفكّر، تتأوّل، وتُسهم في تشكيل صورة الإنسان داخل المستقبل الرقمي.. وهذا مهم للغاية..

لغتنا اليوم مساحة حية تدخل في قلب الذكاء الاصطناعي. وكل كلمة تُنطق أو تُكتب تحمل تاريخ الإنسان العربي وتجربته الثقافية والفكرية. فهذه الكلمات تشكّل طريقة فهم العالم داخل الأنظمة الرقمية، وتعيد رسم صورة الإنسان العربي في المستقبل.

كل متحدث بالعربية يصبح جزءًا من هذا الفعل. اللغة التي يستخدمها تصبح جسرًا بين حضارته ومستقبل المعرفة. من خلالها تُصنع أدوات جديدة، تتشكل رؤى، وتبقى المعاني العربية حاضرة وفاعلة.