النهار
بقلم - علي بن عيضة المالكي
اللغة العربية ليست أصواتًا تتجاور في الحناجر، ولا حروفًا تُرصّ على السطور، إنما هي كيان حيّ، يتنفّس التاريخ، ويختزن الذاكرة، ويقود الوعي من جيل إلى جيل.
حين تُذكر العربية، يتم استدعاء معنى الانتماء، ويُستحضر سؤال الهوية، وتنهض الحضارة من بين المفردات كما ينهض الضوء من عمق العتمة.
اللغة العربية هي العقد غير المكتوب الذي وحّد أمة واسعة الأطراف، متباينة الجغرافيا، متقاربة الروح. بها تشكّلت الرؤية، وتحددت المفاهيم، واستقامت القيم. كل أمة تُعرَف بلغتها، وكل حضارة تُقاس بقدرتها على التعبير عن ذاتها، والعربية أثبتت عبر قرون طويلة أنها لغة قادرة على حمل الفكرة، واحتضان المعنى، وصياغة الإنسان.
وحين نقرأ تاريخ الحضارة الإنسانية، تظهر لغتنا العربية في قلب المشهد المعرفي، لغةً للعلم، ومجالاً للفلسفة، وأداةً للبحث والاكتشاف. لم تكن ناقلًا للمعرفة فحسب، وإنما كانت شريكًا في إنتاجها، وصانعةً لخطابها، ومحددةً لمساراتها. في معاجمها اتساع، وفي تراكيبها مرونة، وفي بيانها قدرة على الإحاطة بما يعجز عنه الوصف السطحي.
اللغة العربية تحمل خصوصية نادرة، فهي لغة مقدسة بنصها، إنسانية بأثرها، عالمية بإسهامها. جمعت بين الدقة والجمال، وبين العقل والوجدان، وبين الصرامة والدهشة. لهذا لم تكن مجرد وسيلة للتواصل، وإنما كانت أداة لصناعة الوعي، ومرآة لعمق التفكير، وساحة لاختبار المعنى.
ويأتي اليوم العالمي للغة العربية، في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، مناسبةً تتجاوز الطابع الاحتفالي بها لتتحول إلى لحظة وعي قادرة على النهوض بها ووضعها بموازاة اللغات الأخرى إنه يوم للتذكير بأن اللغة ليست ترفًا ثقافيًا، وإنما أساس وجود، وعصب هوية، ومفتاح سيادة فكرية. في هذا اليوم، يُعاد طرح السؤال الجوهري: كيف نصون لغتنا، وكيف نعيدها إلى مركز الفعل المعرفي والإعلامي والتعليمي؟
غير أن التحديات التي تواجهها اليوم لا تتعلق بضعفها، وإنما بطريقة التعامل معها. حين تُقصى من مجالات التأثير، أو تُقدّم في صورة جامدة، يُساء فهم حقيقتها.
إن اللغة التي لا تُستخدم تموت في الظل، واللغة التي تُحاصر في القوالب تفقد قدرتها على الإقناع. لذا فلغة القرآن الكريم تحتاج حضورًا حيًا في التعليم، وجرأة في الإعلام، وثقة في الخطاب، حتى تستعيد مكانها الطبيعي في تشكيل الوعي المعاصر.
أيضا ينبغي معرفة أن الدفاع عن اللغة العربية ليس معركة لغوية، وإنما هو موقف حضاري. هو دفاع عن الذاكرة، وعن القدرة على التفكير من داخل الذات، وعن حق الأمة في أن تعبّر عن نفسها بلغتها، لا بلغة مستعارة أو مفاهيم مشوّهة. اللغة حين تُهمَل، يتآكل المعنى، وحين تُهمَّش، يضطرب الوعي.
الاحتفاء باللغة العربية هو احتفاء بالذات، وإعادة الاعتبار لها هو استعادة للثقة. فالأمم التي تحترم لغتها، تحترم عقلها الجمعي، وتبني مستقبلها على أرض صلبة. والعربية، بما تحمله من عمق ومرونة واتساع، قادرة على أن تكون لغة الحاضر والمستقبل، متى ما أُحسن الإصغاء إليها.
ستظل اللغة العربية هوية أمة وصوت حضارة، ما دام هناك من يكتب بها بوعي، ويتحدث بها باعتزاز، ويؤمن أن الحرف حين يُصان، يصون الأمة كلها.
آخر القول:
اللغة العربية ليست حبرًا على ورق، إنها نبضٌ يسري في الذاكرة، ونورٌ يتسلل من بين الحروف ليوقظ المعنى. كلما ضاقت الأزمنة، اتسعت بنا، وكلما تكسّرت الأصوات، جمعتنا في كلمة واحدة. من يحفظ العربية، يحفظ اسمه في التاريخ، ومن يخذلها، يترك ظله بلا ملامح. ستبقى العربية واقفة كالنخلة، تضرب جذورها في الزمن، وترفع رأسها نحو الغد، ما دام في هذه الدنيا قلبٌ يُصغي، ولسانٌ يؤمن، وحرفٌ يُحب.
علي بن عيضة المالكي
كاتب رأي