النهار

١٥ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٥ ديسمبر-٢٠٢٥       10065

بقلم - د. غالب محمد طه
في تفاصيل الحياة اليومية، قد تمر بنا مواقف تحمل في جوهرها دلالات عميقة عن طبيعة الدولة وفلسفتها في التعامل مع الإنسان. قد يبدأ الأمر بلحظة قلق غير متوقعة، كحادث مروري أو عطل مفاجئ في الطريق، أو اتصال طارئ برقم الخدمة المخصص للنجدة. لكن ما يلفت الانتباه أن السؤال الأول يكون عن سلامة الشخص: هل أنت بخير؟ وهنا يدرك المرء أن هذا السؤال البسيط ليس مجرد إجراء شكلي، بل يعكس فلسفة مؤسسية ترى في الإنسان محور الخدمة، وتضع الطمأنينة قبل أي تفاصيل إدارية أو تقنية.
ومن هذا المدخل الإنساني، يمكن قراءة نهضة الدول بعيدًا عن المؤشرات المجردة والخطابات الرسمية، عبر النظر إلى مستوى الخدمات المقدمة للإنسان، دون تمييز بين مواطن ومقيم. فحين يكون الإنسان هو نقطة البداية، تصبح الخدمة العامة انعكاسًا لوعي الدولة بدورها ومسؤوليتها، وتجسيدًا عمليًا لاحترام الكرامة الإنسانية.
ولا تُقاس الحكومة الرقمية بعدد المنصات الإلكترونية أو سرعة الإجراءات وحدها، بل بقدرتها على توظيف التقنية لتخفيف العبء عن الإنسان، واحتواء قلقه قبل مطالبته بالخطوات الرسمية. وعندما تتحول التقنية إلى وسيلة تخدم الإنسان، لا إلى غاية قائمة بذاتها، تصبح جزءًا من جودة الحياة، لا عبئًا إداريًا إضافيًا.
وقد تكشف حادثة مرورية بسيطة عن هذه الفلسفة بوضوح. فبعد توقف السيارة واكتشاف ضرر مجهول المصدر، يبدأ القلق وتتزاحم الأسئلة. وفي مثل هذا الموقف، كان الاتصال برقم الطوارئ (911) كافيًا ليعكس المعنى الحقيقي للخدمة العامة؛ إذ لم يكن السؤال الأول عن التفاصيل أو المسؤوليات، بل عن السلامة الشخصية قبل أي شيء آخر. اهتمام مهني يعكس مبدأ المساواة، ويؤكد أن الخدمة لا تميّز بين الناس.
وما زاد التجربة وضوحًا هو أنني شخص عادي بلا منصب أو تأثير، ومع ذلك كان الاهتمام حاضرًا ومنظمًا، بما يعكس عدالة الخدمة وشمولها. ولم تكن هذه الاستجابة لتتحقق لولا منظومة الحكومة الإلكترونية في المملكة العربية السعودية، التي تعمل بكفاءة في الخلفية، فتربط البلاغات بالجهات المختصة، وتختصر المسافة بين الاتصال والاستجابة، دون أن تُرهق الإنسان بتكرار الشرح أو التنقل بين الجهات.
وخلال دقائق، تلقيت اتصالًا من مركز الطوارئ للاطمئنان على سلامتي، أعقبه وصول دورية المرور لمعاينة الموقع ومراجعة الكاميرات. مشهد يعكس تنسيقًا مؤسسيًا واعيًا، يرى في سرعة الاستجابة جزءًا من مفهوم الأمن الشامل. وهكذا تتحول الحادثة من واقعة مرورية عابرة إلى مؤشر على قيمة الإنسان، وقيمة الوقت، وعلى حضور الدولة في التفاصيل اليومية قبل الأزمات الكبرى.
إن مثل هذه الممارسات تعزز الثقة بين الفرد والمؤسسة، وتمنح شعورًا بالأمان يتجاوز مجرد تطبيق النظام إلى الإحساس الحقيقي بالطمأنينة. وحين تتقاطع مع القيم الإسلامية التي تضع حفظ النفس وصون الكرامة الإنسانية في مقدمة المقاصد، يتضح أن التقدم لا يتعارض مع الهوية، بل يستند إليها ويوظفها في بناء أداء مؤسسي متوازن.
وتبقى هذه المواقف اليومية، رغم بساطتها، أكثر قدرة على ترسيخ الثقة والانتماء من كثير من الشعارات. فهي تُظهر أن بناء الدول يبدأ من الإنسان نفسه، وأن نجاح الحكومة الرقمية يقاس بمدى اهتمامها بالطمأنينة والمساواة في التعامل مع الناس. حين تُدار التقنية بهذه الطريقة، تصبح أداة حقيقية لخدمة المجتمع، لا عبئًا عليه، وتمنح كل فرد شعورًا بالاهتمام والأمان في تفاصيل حياته اليومية. وفي نهاية المطاف، تكشف هذه التجارب البسيطة أن قوة الدولة تُقاس ليس بالمشاريع الكبرى وحدها، بل بمدى قربها من الإنسان في لحظاته العادية، قبل أي خطة استراتيجية أو إجراء رسمي.
وفي ختام هذه التجربة، أعبّر عن خالص الامتنان لمرور حفر الباطن، ولمنظومة الأمن في المملكة العربية السعودية التي جعلت سلامة الإنسان أولوية قبل أي إجراء. هذه الجهود تؤكد أن الأمن لا يقتصر على تطبيق القانون فحسب، بل يقوم بروح إنسانية في المقام الأول، تتجسد في تفاصيل الحياة اليومية، فتمنح الناس شعورًا بالطمأنينة والثقة في وطنهم.