النهار

١٥ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٥ ديسمبر-٢٠٢٥       12815

بقلم - عبدالله الكناني

لم يعد الأمن مفهومًا إجرائيًا محضًا يُختزل في القوة أو الردع، بل غدا خطابًا متكاملًا تُبنى من خلاله التصورات، وتُدار به السياسات، ويُشكَّل عبره وعي الجمهور وصنّاع القرار. 
ومن هذا المنطلق برز  تحليل الخطاب الأمني  بوصفه منهجًا علميًا يُعنى بدراسة اللغة والرسائل المرتبطة بالأمن، وتفكيك بنيتها ودلالاتها، للكشف عن الأهداف والمرجعيات الأيديولوجية الكامنة خلفها.
يقوم  تحليل الخطاب الأمني  على مقاربة متعددة التخصصات، تجمع بين علم اللسانيات والعلوم السياسية والاجتماعية، وتركّز على دراسة النصوص الرسمية، مثل البيانات، والخطب، والتصريحات، والمواد الإعلامية ذات الصلة. 
ولا يكتفي هذا المنهج بقراءة النص في ظاهره، بل يتجاوز ذلك إلى ربطه بسياقه السياسي والاجتماعي والتاريخي، والإجابة عن أسئلة جوهرية من قبيل: من يخاطب من؟ ولماذا؟ وبأي لغة؟

وتكمن أهمية هذا النوع من التحليل في قدرته على الكشف عن *الاستراتيجيات اللغوية* المستخدمة في الخطاب الأمني، سواء في بناء سرديات التهديد، أو تعزيز الشرعية، أو تعبئة الرأي العام، أو تفكيك خطابات الجماعات المتطرفة التي توظّف اللغة بوصفها سلاحًا غير مادي لتجنيد الأتباع وتمجيد العنف.
و يتيح تحليل الخطاب فهم آليات تشكيل الهوية المؤسسية، وتوجيه تصورات الجمهور تجاه القضايا الأمنية الحساسة.
ومن الأدوات المنهجية البارزة في هذا السياق يبرز *تحليل المضمون*، بوصفه منهجًا علميًا منظمًا لرصد الخصائص العامة للخطاب، وتحديد موضوعاته واتجاهاته وتكراراته، ورسم خريطة اهتماماته خلال فترة زمنية محددة. 
ويُسهم هذا المنهج في تحويل الخطاب من مادة وصفية إلى بيانات قابلة للتحليل، تكشف عن أولويات السياسة الأمنية، وتطورها، وأنماط التركيز أو التحول في الرسائل الموجّهة.

وفي هذا الإطار، حظيتُ بشرف إنجاز دراسة تحليلية لمضمون الخطاب الأمني لصاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز، وزير الداخلية الأسبق – رحمه الله – تناولت كلمات سموه خلال عشرة أعوام، تحت عنوان: (السياسة الأمنية السعودية وأبعادها في الخطاب الأمني).
وهدفت هذه الدراسة إلى إبراز ملامح الرؤية الأمنية السعودية، وخصائص خطابها، وتوجهاتها، واهتماماتها، في مرحلة مفصلية من تاريخ المملكة.
وقد نلتُ بها – بحمد الله – درجة الماجستير من جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، وتشرفت بتسلّم التهنئة من يد سموه – رحمه الله – وكانت الدراسة بإشراف أستاذي القدير اللواء الدكتور سعد بن علي الشهراني، ومناقشة كل من الدكتور علي بن شويل القرني (جامعة الملك سعود)، والدكتور عبدالله بن ناصر الحمود (جامعة الإمام محمد بن سعود).

وأختم بالتأكيد على *أن تحليل الخطاب الأمني، مدعومًا بمنهج تحليل المضمون، لا يُثري المعرفة الأكاديمية فحسب، بل يُعد أداة عملية تسهم في دعم صُنّاع القرار، وصياغة سياسات أمنية أكثر وعيًا بالواقع، وأدق فهمًا للجمهور، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات الأمنية المعاصرة، بلغة رصينة، ورؤية متزنة، وخطاب مسؤول.*