النهار

١٣ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ ديسمبر-٢٠٢٥       11825

بقلم : نوره محمد بابعير 

لم يعد معرض الكتاب مجرد مساحة لاقتناء العناوين الجديدة فقط  بل أصبح فعلًا ثقافيًا يكشف الكثير عن سلوكياتنا كقراء، وعن الطريقة التي ننصت بها للعالم من حولنا. في جدة، لا يُقرأ الكتاب وحده، بل تُقرأ الثقافات، والوجوه، والحوارات، وتُقرأ ذواتنا ونحن نتنقل بين الرفوف.

تحت سقف معرض جدة للكتاب، تتجاور ثقافات متعددة، تتقاطع لغات، وتلتقي رؤى فكرية متباينة، فيتحول المكان إلى ساحة ثقافية مفتوحة، يستمد منها العقل القارئ زخمًا معرفيًا لا يتوقف عند حدود النص، بل يتجاوزه إلى فهم الآخر، والتواصل معه عبر جسر الثقافة الذي تبنيه الكتب والفعاليات المصاحبة لها.

المعرض لا يفرض على الزائر مسارًا واحدًا للقراءة، بل يترك له حرية الاكتشاف، ويختبر ذائقته، ويكشف ميوله الأدبية والفكرية. فاختيار كتاب ما ليس فعلًا عابرًا، بل انعكاس لتجربة، أو سؤال داخلي، أو شغف مؤجل. وهنا تتجلى قيمة المعرض كمساحة تسمح بالانسجام مع إضافات ناتجة عن تجارب قرائية مختلفة، تفتح الأفق لتوسيع دائرة الاهتمام، وتغذي المهارات الإبداعية، سواء في الأدب أو الفنون أو الفكر.

ومن خلال الإنصات الواعي، الممتلئ بنضج التجربة، يستطيع القارئ أن يعبر عن ذاته، لا فقط عبر ما يقرأ، بل عبر حضوره في الندوات، ومشاركته في الحوارات مع الكُتّاب، حيث يتحول النص من سرد مكتوب إلى نقاش حي، وتصبح الكلمة جسرًا بين الكاتب والقارئ، وبين الفكرة والواقع.

حتى الرفوف نفسها في معرض جدة للكتاب تمتلك لغة خاصة؛ عناوين تنادي القارئ، وأغلفة تثير فضوله، وكتب تختار قارئها بقدر ما يختارها. في تلك اللحظات، يصبح التجوال بين الكتب رحلة داخلية، يراجع فيها القارئ أسئلته، ويعيد ترتيب أولوياته الثقافية.

وكان معرض جدة للكتاب، في صورته هذه، أشبه بمختبر فكري مفتوح، يحول زواره إلى فلاسفة، لكل منهم فلسفة حضور، تبدأ منذ لحظة الدخول، وتنضج مع كل كتاب يُقلب، وكل حوار يُنصت إليه، حتى لحظة الرحيل، محمّلين بأسئلة جديدة، ووعي أوسع، وشغف متجدد بالقراءة.

في جدة، لا يُغلق الكتاب بانتهاء المعرض، بل تُفتح به أبواب التواصل، وتتجدد به علاقة الإنسان بالمعرفة، في مدينة تقرأ، وتفكر ، وتكتب مستقبلها الثقافي سطرًا سطرًا.