الكاتب : النهار
التاريخ: ١٢ ديسمبر-٢٠٢٥       10945

بقلم ـ ريماس الصينية

اختتم في بكين مؤتمر العمل الاقتصادي المركزي الذي رسم ملامح واضحة لمسار الاقتصاد الصيني في العام المقبل، وأرسل في الوقت نفسه رسالة حاسمة إلى العالم مفادها أن الصين، القائمة على قوة الطلب الداخلي ومحركات الابتكار والساعية إلى انفتاح أعمق، ستواصل لعب دور أساسي في دفع  النمو  العالمي. وبالنسبة للشركاء الدوليين، وخاصة الدول العربية الساعية لتنويع اقتصاداتها، فإن فهم هذا المسار يشكل مفتاحاً لاغتنام فرص التعاون المقبلة.

في الداخل: تعزيز الطلب المحلي وترسيخ مسار الابتكار

رغم الضغوط الخارجية، أظهر الاقتصاد الصيني قدرة عالية على الصمود.

 فقد أكد المؤتمر أن الأهداف الرئيسية للتنمية خلال العام ستتحقق كما هو مخطط لها، وهو ما عزز ثقة الأسواق. 

وتستند هذه الثقة إلى توسع الطلب الداخلي وتقدم الابتكار في المجالات المتقدمة.

ويعد الطلب الداخلي حجر الأساس للنمو. فالصين تمتلك ثاني أكبر سوق استهلاكية في العالم وأكثر أسواق التجزئة الإلكترونية نشاطاً.

 وخلال السنوات الأربع الماضية، بلغ متوسط مساهمة الطلب الداخلي في  النمو  الاقتصادي 86.4 في المائة، مما يجعله المحرك الرئيسي بلا منازع.

 ويظل تعزيز الاستهلاك وتوسيع الطلب الداخلي أولوية من أجل تحويل ميزة السوق الضخمة إلى طاقة تنموية مستدامة.

أما الابتكار فهو محرك المستقبل. 

إذ شدد المؤتمر على ضرورة ترسيخ مسار الابتكار ودعم تنمية الطاقات الجديدة، مع التركيز على تسريع دمج الذكاء الاصطناعي مع مختلف القطاعات.

 وهذا يعكس عزم الصين على مواكبة الثورة التكنولوجية ودفع التكامل بين التكنولوجيا والاقتصاد الحقيقي لفتح مسارات صناعية جديدة وتعزيز القدرة التنافسية المستقبلية.

في الخارج: انفتاح أعمق لرسم خريطة تعاون جديدة

بالتوازي مع تعزيز الدورة الاقتصادية الداخلية، تمضي الصين نحو توسيع انفتاحها الخارجي.

 فقد وضع المؤتمر هدفاً رئيسياً يتمثل في تعزيز الانفتاح والتعاون المتبادل المنفعة، من خلال تعميق الانفتاح المؤسسي، وتحسين توزيع مناطق التجارة الحرة، وبناء ميناء التجارة الحرة في هاينان، وتطوير التجارة الرقمية والخضراء، ودفع مبادرة الحزام والطريق نحو مرحلة أعلى من الجودة. 

وهذا يشير إلى انتقال الانفتاح الصيني من التركيز على حركة السلع إلى التوافق في القواعد والمعايير والأسواق، بما يخلق بيئة تعاون أكثر استقراراً وشفافية للشركاء كافة.

وقد ظهرت نتائج هذا التوجه بوضوح في التعاون الصيني العربي. ففي عام 2024 تجاوز حجم التجارة بين الجانبين 400 مليار دولار، وتطورت مجالات التعاون لتشمل الاقتصاد الرقمي والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي وغيرها من القطاعات المستقبلية، مما يجعل التوافق بين خطط التحول العربية ومزايا الصين التكنولوجية والصناعية أكثر وضوحاً.

التوافق بين الاستراتيجيات الصينية والعربية وفرص التعاون الناشئة

أوجدت الاستراتيجية الاقتصادية الصينية صدى واسعاً مع خطط التنويع الاقتصادي في الدول العربية، الأمر الذي فتح آفاقاً جديدة للتعاون.

فمن جهة، يمكن لمزايا الصين في السلاسل الصناعية الكاملة وخبراتها الابتكارية أن تتكامل مع طموحات التحول الاقتصادي في الدول العربية.

 وقد اتجه التعاون بالفعل إلى مجالات المستقبل مثل الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة الجديدة، ما يحول التركيز من المشاريع التقليدية إلى البحث المشترك والاستثمار في الابتكار.

ومن جهة أخرى، فإن بناء سوق داخلية قوية في الصين يتيح فرصاً واسعة للمنتجات العربية غير النفطية مثل الكيماويات المتقدمة والمنتجات الزراعية عالية الجودة.

 كما توفر المنصات الاستراتيجية الصينية، مثل ميناء هاينان للتجارة الحرة، جسراً مثالياً لربط القواعد التجارية والاستثمارية بين الجانبين.

ويضاف إلى ذلك التوافق الكبير في مجال التنمية الخضراء. فالتزام الصين بالتحول الأخضر يتماشى مع خطط الدول العربية لتطوير الطاقة النظيفة. 

وهذا يمهد لتعاون شامل في التقنيات الخضراء ومشاريع الطاقة المتجددة ومبادرات المدن منخفضة الانبعاثات، مما يعزز قدرة الجانبين على مواجهة التحديات العالمية مثل تغير المناخ وتحقيق تنمية مستدامة عالية الجودة.

نظرة مستقبلية: مسار جديد للتعاون الصيني العربي في ظل نمو قائم على اليقين

رفعت العديد من المؤسسات الدولية، بما فيها صندوق النقد الدولي، توقعاتها لنمو الاقتصاد الصيني مؤخراً، وهو ما يعكس تزايد الاعتراف بقدرة الصين على تحقيق نمو مستقر وتحول اقتصادي فعّال.

ويوفر هذا اليقين، المستند إلى قوة الطلب الداخلي والابتكار والانفتاح المؤسسي، توقعات تعاون مستقرة للشركاء العالميين، بما في ذلك الدول العربية. 

فهو يعني أن السوق الصينية المتطورة ستكون وجهة مهمة للمنتجات العربية غير النفطية والخدمات عالية القيمة، وأن الخبرة الصينية في القطاعات الرقمية والخضراء ستشكل دعامة أساسية لخطط التنويع الاقتصادي العربية.

 وبهذا يدخل التعاون بين الجانبين مرحلة جديدة تتميز بالتكامل الاستراتيجي والابتكار المشترك.

وإن الخريطة التي رسمها مؤتمر العمل الاقتصادي المركزي لا تحدد مسار التنمية في الصين فحسب، بل ترسم أيضاً ملامح جديدة للتعاون الصيني العربي.

 فمن المجالات التقليدية إلى الصناعات المستقبلية، ومن التجارة إلى التنسيق في المعايير، باتت المصالح المشتركة والقدرات المتكاملة عاملاً أساسياً في دفع العلاقات بين الجانبين إلى مستويات أعلى. 

ومن خلال اغتنام الفرص التاريخية التي يتيحها توسع الطلب الداخلي وتعميق الانفتاح في الصين، يمكن للصين والدول العربية أن تفتحا طريقا جديدا قائما على المنفعة المتبادلة والابتكار، نحو مستقبل أكثر ازدهاراً واستدامة.