بقلم ـ عبدالمحسن بن محمد الحارثي
في فضاءٍ رياضيّ تتغيّر فيه الوجوه، وتتناوب فيه الأجيال ؛ يبقى عاطي الموركي ثابتًا كجبلٍ من الولاء، وركنًا من هوية المدرج السعودي.
أكثر من نصف قرن من الزمان ؛ ظلَّ خلالها الموركي الصوت الأول والحضور الأجمل في ملاعب المملكة، مشجعًا لا يطلب شيئًا سوى أن يظل قريبًا من وطنه، ومن جماهيره، ومن ناديه الوحدة الذي رافقه كما يرافق الوفاءُ أصحابه.
رمز المدرج السعودي
لم يكن الموركي مجرّد مشجع، بل حالة وطنية تفرض احترامها.
حضوره المستمر في المناسبات الرياضية السعودية كافة، رغم تقدمه في العمر ؛ يعيد للأذهان قول الأسطورة العالمية بيليه:
“النجومية الحقيقية ليست في عدد الأهداف، بل في عدد القلوب التي تصل إليها".
وقد وصل الموركي إلى قلوب الجميع لاعبين، إداريين، جماهير، ومحبّي الرياضة في الداخل والخارج.
أما المدرب الهولندي يوهان كرويف فقد قال يومًا:
“الجمهور هو اللاعب رقم 12".
وإذا كان الجمهور هو اللاعب الثاني عشر ؛ فإن الموركي كان -بلا شك - قائد هذا اللاعب.
ولاءٌ للوطن قبل النادي
في كل حضور للموركي ؛ تنطق كلماته بولاءٍ لا يُجارى، وبحبّ لوطنه وقيادته وشعبه.. يجيد صياغة الهتاف الذي يمزج بين الشغف والانتماء، وبين الرياضة والهوية.. وفي ذلك يذكّر بقول الشاعر والفيلسوف جلال الدين الرومي:
“ما يخرج من القلب يصل إلى القلب".
وهكذا كانت هتافاته، خارجة من القلب وواصلة إلى القلوب.
التجربة التي صاغتها السنوات
قليلون هم الذين يحافظون على الشغف حين تتقدم بهم الأعوام، لكن الموركي أحد هؤلاء الذين ينطبق عليهم قول العالم ابن سينا:
“الهمة مضاعف للقدرة".
فقد ظلّ بعزيمته التي لا تنحني حاضرًا في المدرجات، مشاركًا في كل حدث رياضي سعودي، كأنما يحمل تكليفًا أخلاقيًا لا يتخلّى عنه.
كما يقول الحكيم الصيني كونفوشيوس:
“الوفاء أثمن ما يقدمه الإنسان، لأنه لا يُشترى".
والموركي لم يشجع من أجل مال ولا جاه، بل من أجل انتماء صافٍ، لم تستطع السنوات أن تُغيّره.
مكانة تتجاوز حدود النادي
كان طبيعيًا أن يلتفّ حوله رؤساء روابط الأندية السعودية، وقد أصبح حضوره علامة في احتفالاتهم وتنظيماتهم.. وفي هذا يقول الأسطورة الأرجنتينية دييغو مارادونا:
“الكرة تُلعب في الميدان، لكن تُربح في المدرجات".
وحدها المدرجات تعرف قيمة الموركي، وكم كان لها نصيب من روحه وصوته.
أما اللاعب العربي الأشهر محمود الخطيب فقد قال عن الجماهير في إحدى مقابلاته:
“الجماهير هي الذاكرة الحقيقية للرياضة".
والموركي اليوم هو جزء أصيل من هذه الذاكرة.. ذاكرةٌ تنتمي للوطن، لا لفريق واحد.
بصمة لا تُمحى
لا يمكن الحديث عن تاريخ الرياضة السعودية دون ذكر هذا الرجل الذي كان دائمًا في الصف الأول، والذي جسّد مقولة الأديب طه حسين:
“التاريخ لا يكتب بالمداد وحده، بل بالمواقف".
ومواقف الموركي، حضوره، ووفاؤه، كلها فصول لا تُمحى من سجل المدرج السعودي.
رجلٌ أصبح عنوانًا
إن ما يُكتب عن عاطي الموركي ليس تكريمًا لشخصه فحسب، بل احتفاء بقيمة الوفاء نفسها.. فقد كان -وما يزال - صوتًا للوطن، ووجهًا صادقًا للمدرجات، وشاهدًا على تطور الرياضة السعودية عبر عقود طويلة.
عاطي الموركي ؛ رجلٌ لم تصنعه الأضواء، بل صنعته القلوب.
ولم ترفعه الشهرة، بل رفعه إخلاصه.
وبقي رمزًا ؛ لأن الانتماء الحقيقي لا يشيخ!!