الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ ديسمبر-٢٠٢٥       9020

بقلم -عبدالمحسن بن محمَّد الحارثي

الحياة ليست مسرحًا للظواهر البعيدة فقط، بل لأحداث تبدأ من الداخل، وتتفاعل مع محيط الإنسان الأقرب إليه. 
فما أصعب أن يكتشف المرء أن جراحه لم تأتِ من عدو بعيد، بل من قريب يعرفه، ويعرف نقاط ضعفه. 

ومن هنا تنطلق فلسفة الشر والفتنة والغيرة والاختلاف، التي تحكمها القُرب والمعرفة ؛ كما يؤكد القرآن، والسنة، والفلاسفة، وعلماء النفس، وتجارب البشر.

ليس أشد وقعًا على الإنسان من أن يدرك أن السهام لم تصله من حيث خاف، بل من حيث اطمأن؛ وأن أعنف العثرات لم تصدر إلا من أقرب الناس إليه..قال الله تعالى:
﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾
وقال ابن القيم: “العبد إنما يُؤتى من قِبَل نفسه".
فالبلاء يبدأ من الداخل، والقريب يمرره عبر مساحات الثقة والغفلة.

وأشد الاعتداءات وقعًا ما يأتي من القريب الذي يعرف مواضع الألم..قال النبي ﷺ: “المسلم من سلِم المسلمون من لسانه ويده".
وقال سينيكا: “ليس أخطر على الإنسان من صديقٍ سيّئ".

والسرقة لا تقع إلا حيث تُعرف القيمة.. علوم الجريمة تقول: “أغلب الجرائم يرتكبها أشخاص يعرفون الضحية".
وقال الجاحظ: “إنما يطمع فيك من عرف مقدارك".

أما الغيرة ؛ فهي نار لا تشتعل إلا بين من يشبهك ويقترب منك..القرآن قال: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا﴾
وقال نيتشه: “إنما يشتدّ الحسد بين الأقرب، لا بين الأبعد.”
وقال ابن حزم: “أكثر الحسد إنما يقع بين الإخوان والأقران".

والفتنة تتولد حيث يزدحم المكان وتكثر الاحتكاكات. قال الله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾
وقال النبي ﷺ: “إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلّون، ولكن في التحريش بينهم".
وقال أفلاطون: “الفتنة تنشأ حيث يغيب العقل ويكثر الاحتكاك".

والخلاف ينشأ من الاختلاف القريب، قال علي رضي الله عنه: “ولا يختلف معك اختلافًا مؤذيًا إلا من قَرُب منك".
وقال عمر رضي الله عنه: “ما أُوتي قوم قط إلا من داخلهم".

والشرير لا يبحث عن هدف بعيد، بل عن القريب الذي يسهل الوصول إليه. قال فرويد: “العدوان ينمو في البيئات الضيّقة".
وقال ابن الجوزي: “لو رأيت قلوب الناس ؛ لرأيت أكثرها يمتلئ حسدًا كملء الأقداح".
وقال أهل الخبرة: “أشدّ الناس عليك ؛ من رأى نعمتك ولم يرَ تعبك.”

ولذلك حذّر العرب: “احذر من القريب ألف مرة قبل العدو".
وقال الشاعر: وظلمُ ذوي القُربى أشدّ مضاضةً
على المرءِ من وقعِ الحُسامِ المُهنَّدِ

وهكذا تتضح فلسفة الشر والقرب: يبدأ الشر من المسافة الصغيرة، والمعرفة، والمقارنة، والقرب؛ أما الريح فتهب من بعيد بلا ضرر، والنار لا تحرق إلا من لامست. 
ومن فهم هذه القاعدة ؛ عرف كيف يحمي نفسه من الداخل أولًا، ثم من الآخرين بعد ذلك. 
فالشر لا يُقهر إلا بالوعي بالمسافة والمعرفة بالقريب، واليقظة للنفس قبل كل شيء!!