النهار

٠٩ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٩ ديسمبر-٢٠٢٥       10450

بقلم - د . أحمد بن سعد بن غرم الغامدي 

التأريخ والتراث هما أعظم الكنوز في حياة الدول والشعوب، وهما الشاهد الأمين على عراقة الأمم وعمق جذورها وامتداد إرثها عبر الزمن. وفي قلب الجزيرة العربية تقف المملكة العربية السعودية شامخةً بتراثها الذي كتبته الأجيال على صفحات الجبال والصخور والحصون والقلاع والقصور، وعلى امتداد السهول والوديان، وفي أعماق الأرض حيث ترقد المدن المغمورة التي شهدت حضاراتٍ غابرة. إنها ليست مجرد وطن يُؤوى، ولا مساحة تُرسَم على الخريطة، بل هي تاريخ ممتد وتراث متجذر وأمجاد ضاربة في عمق الدهور، تشهد لها الجبال قبل الرجال، وتتحدث عنها النقوش قبل السطور. 

إن المملكة ليست مجرد دولة معاصرة فقط، بل هي كنوز الإنسانية ومتحف عالمي مفتوح، وكتاب حجريٌّ ساحر صفحاته من صخرٍ ورملٍ وضوء، يروي قصص الحضارات التي تعاقبت على هذه الأرض المباركة منذ أقدم العصور الحجرية وحتى قيام الدولة السعودية الحديثة، لتكون بحق قبلة التأريخ والتراث العالمي.

ويبدأ الحديث عن كنوز المملكة من قلبها النابض مكة المكرمة، حيث أول بيت وُضع للناس، وحيث ينبثق تاريخ الأرض كلها ليعمّ أرجاء الجزيرة. في مكة لا يقتصر التراث على الروحانية وحدها، بل يتجسد في مواقع تاريخية خالدة مثل عين زبيدة التي أنشئت في العهد العباسي لتأمين الماء لقوافل الحجاج، وفي سد السملقي القديم، وفي جبل النور وجبل ثور، وفي المعالم التي لا تزال تنبض بالمهابة. ومن مكة يمتد خط الضوء إلى المدينة المنورة، مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث تتداخل العمارة الإسلامية العريقة مع صفحات السيرة النبوية، وحيث محطة سكة حديد الحجاز التي باتت متحفاً يروي قصة مرحلة حضارية فارقة، لتكون المدينتان المقدستان نواة روحانية وتاريخية جعلت من المملكة مركزاً حضارياً لا نظير له.

ومن هذين المركزين المباركين تمتد كنوز المملكة لتشمل عواصم الحجر والطين التي كانت شواهد حضارات قوية تركت آثارها في العلا ونجران وحائل والدرعية والأحساء وفي سلسلة جبال السروات بما تحويه من قلاع وحصون وقصور ومدرجات زراعية وآبار وغيرها. وفي مدائن صالح – الحِجر – تقف المقابر الملكية المنحوتة في الجبال شامخة، بأكثر من مئة واجهة حجرية دقيقة التفاصيل تعود لمملكة الأنباط. وفي الدرعية التاريخية، مهد الدولة السعودية الأولى، تتجلى العمارة النجدية الطينية في أبهى صورها ، حضارة حية تجود بأجمل التراث والتأريخ ، ولا سيما ما حازت عليه من اهتمام وترميم وصيانة وتحديث ، حتى غدت متحفاً حياً يزوره العالم بأسره !
وفي حي الطريف المسجل في اليونسكو، حيث يلتقي التاريخ الوطني بالجمال العمراني. وفي قرية الفاو، عاصمة مملكة كندة قبل الإسلام، تمتد صورة مدينة عربية متكاملة بأسواقها وطرقاتها وآبارها ورسومها، تحكي حياة مجتمع عربي عريق سبق الإسلام بقرون. وفي جدة التاريخية تنبض البيوت المرجانية المزينة بالرواشين بروح البحر والتجارة والثقافة، وتروي حكاية البوابة البحرية لمكة عبر مئات السنين.

ولم يكن التراث السعودي محصوراً في المدن والبناء، بل امتد إلى الصخور نفسها التي كانت مكتبات الإنسان الأول في جميع جغرافيا المملكة العربية السعودية . ففي جبة والشويمس بمنطقة حائل تتجسد أقدم الرسوم الصخرية التي عرفها الإنسان، مشاهد صيد وحيوانات وطقوس تعود إلى أكثر من عشرة آلاف عام. وفي منطقة حمى الثقافية بنجران تتزاحم خمسة آلاف وخمسمئة نقش صخري ورسوم، بينها نقوش عربية مبكرة توثق رحلات القوافل وملامح الحياة القديمة على امتداد آلاف السنين. تلك الصخور ليست حجارة صامتة، بل صفحات تاريخية ناطقة بحياة البشرية في أقدم تجلياتها.

وإلى جانب التراث الحجري، تزخر المملكة بتراث حي نابض لا يزال يزدهر في الحرف والفنون والتقاليد. ففي واحة الأحساء – أكبر واحة نخيل مطوقة بالرمال في العالم والمسجلة في اليونسكو – يظهر التفاعل العجيب بين الإنسان والصحراء، حيث القنوات التاريخية والمزارع والقلاع كقصر إبراهيم. وفي فنون السدو البدوي، تلك الحياكة التقليدية التي حفظتها اليونسكو كتراث غير مادي، يتجسد ذوق الصانع وذاكرة القبيلة. وفي العرضة النجدية وسائر الفنون الشعبية في مناطق المملكة تعيش الهوية السعودية بألوانها وألحانها. وعلى امتداد طرق الحج التاريخية، مثل درب زبيدة، تتجلى حكايات القوافل التي عبرت آلاف الكيلومترات في رحلة الإيمان والإنسان، لتكون شبكة الطرق نفسها تراثاً عابراً للعصور.

وليس الوفاء لتراثٍ كهذا مجرد حفظٍ أو تكرار، بل هو إحياءٌ وتجديد يليق بقيمة المكان. ولهذا جاءت رؤية المملكة 2030 لتؤسس لمرحلة جديدة من العناية بالتراث، عبر إنشاء هيئة التراث وتطوير الاستراتيجيات الوطنية للتنقيب والترميم والحفاظ. فأعيد إحياء جدة التاريخية، وأطلقت مشاريع تطوير العلا، وسُجلت مواقع جديدة في اليونسكو مثل واحة الأحساء وقرية الفاو، ويجري العمل على تسجيل المزيد كقرية ذي عين ودرب زبيدة. كما تعمل الفرق العلمية على اكتشافات جديدة مدهشة، مثل آثار الأقدام البشرية التي تعود إلى 120 ألف سنة في منطقة تبوك، لتضيف فصولاً جديدة إلى كتاب التاريخ السعودي. وتدعَم الحرف اليدوية ويُنشأ للمبدعين مراكز حرفية في مختلف المناطق حفاظاً على هذا التراث الإنساني الجميل.

وهكذا تقف المملكة العربية السعودية أمام العالم كنزاً إنسانياً لا يقدر بثمن، أرضاً كتب عليها الإنسان تاريخه منذ آلاف السنين، فرسم على صخورها، ونحت جبالها، وبنى فيها قلاعاً وقرى ومدناً، وشيد فيها طرقاً وقنوات ومساجد وأسواقاً، وصنع فيها فناً وثقافة وهوية. إنها كنوز الحجارة وكنوز الذاكرة وكنوز الروح. إنها وطنٌ إذا تحدث التاريخ أنصت العالم، وإذا ذكر التراث وقفت الأمم وقفة احترام. وجزء من الوفاء والانتماء أن نعرّف بهذه الكنوز، وأن نشيد بها، وأن ندعو العالم لرؤية عظمتها، لتبقى ذخيرة فخر للأجيال الحالية والقادمة، وشاهداً خالداً على أن المملكة كانت ولا تزال قلب التاريخ ووجه الحضارات.