النهار
بقلم- جمعان الكرت
تتوسّد المندق قمم جبال السروات شمال غربي مدينة الباحة كعروس حسناء تزفّها أرتال الأزهار والورود والنباتات العطرية. تتشح قراها بالضباب معظم أيام السنة ليُطلق عليها بنت الضباب وأخت السحاب وسيدة الجبال. وهي تضرب بجذورها في أعماق التاريخ؛ فمن أسلاف سكانها أبو هريرة رضي الله عنه، الصحابي الجليل راوي الحديث الشهير، وكذلك سيد قبيلة دوس الصحابي الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه، من أوائل السابقين إلى الإسلام، صاحب المروءات والحكمة إذ لم يستجب لزعماء قريش حين أرادوا منه عدم الاقتراب من رسول الله والاستماع إليه، فرجّح عقله وتفكيره وقال: والله ما سمعت قولًا قط أحسن من قول الرسول ولا أمرًا أعدل منه، فأسلم ورجع إلى دوس يدعوهم إلى الإسلام، وقد استجاب له ثمانون بيتًا.
أما مقاعد الملوك فكانت لـ مالك بن فهم الدوسي وعمرو بن فهم وجذيمة بن مالك الذين حكموا العراق. هؤلاء الدوسيون الزهرانيون أضاءوا صفحات التاريخ حكمة ودينًا وحكمًا. هم أسلاف دوس والمندق التي هي جزء من منطقة الباحة.
وقد تنامت هذه المحافظة في هذا العهد الزاهر لتشمل أسباب الحضارة كل مناحي الحياة؛ فكان التعليم بمدارسه للبنين والبنات،
شُقّت الطرق في جبالها ليكون الشريان الرئيس الطريق السياحي الذي أضفى ميزة للمكان بأن يكون من أجمل المواقع السياحية. ولجغرافية المندق بهاء آخذ، إذ تتموسق قراها وأحياؤها كبتلات ورود زاهية، تنتشر على ارتفاع شاهق يزيد عن ألفَي متر فوق سطح البحر، وعلى مساحة واسعة، فبدت المحافظة كحديقة مترامية الأرجاء. هناك الغابات الخضراء، والأودية الغناء، وسفوح الجبال المكتسية بالأشجار، خصوصًا العرعر والزيتون البري.
وارتفاعها عن سطح البحر أثّر في مناخها؛ إذ تهبّ النسمات العليلات في الصيف مع هطول الأمطار، فيما تنخفض درجة الحرارة شتاءً ليكون للضباب شأنه في التشكل كعرائس بيضاء.
وقد أخذت بعض المواقع نصيبها من الشهرة، إذ تُصنّف كمنتزهات تشدّ الزائرين وعشاق الطبيعة، ومن بينها غابة الخلب شمال غربي المحافظة، وتقع على جبل الخلب العظيم غربي قرية عويرة، إذ يكتسي بالاخضرار. ويقف جبل العرنين غير بعيد بقامته الشاهقة، وجبال أخرى كجبل العشي وظهر الغدا، فضلًا عن الأودية الشهيرة مثل وادي برحرح الذي ينتهي بوادي تربة زهران، ووادي ثروق، ووادي ضرك الذي يتميز بمياهه العذبة طوال العام،
وقد أخذت المحافظة في التطور والنمو، إذ شكّل العمران ملامح جمال فوق سفوح الجبال، فيما تموسقت منتزهات حديثة طرزتها أيدٍ إبداعية في مجال التخطيط، كـ حديقة الفراشة التي تأخذ شكل الفراشة الملوّنة المحلّقة في السماء. وعلى مرمى البصر منها برج اتخذ شكل المنارة كأحد المنتجعات الجديدة ذات الشكل الهندسي الجذاب، حيث تشرف غرفه على المدينة في إطلالات بهية، ويتوسط المنتجع شلال تتدفق مياهه في منظر آسر.
ومن المنتزهات الأخرى: غابة عمضان، غابة أصفا، الفصيلة،، وادي الشعراء، منتزه وادي تربة، وادي الحبارى، حدائق أصفا، والشفا، وبلخزمر، وحديقة الأمير فيصل بن محمد.
ويتبع المندق ثلاثة مراكز: برحرح، ودوس، وبلخزمر، وكل مركز له خصوصيته في الطبيعة والمنتج الزراعي، ليكتمل عقد الجمال في منظومة متناغمة..