النهار
بقلم - د. أحمد بن سعد بن غرم الغامدي
تمثل المرأة السعودية في مسيرتها الحضارية اليوم صورة فريدة تجتمع فيها الأصالة الروحية، والرفعة الأخلاقية، والتميز العلمي والعملي، مع بقاء رسالتها الأسرية في قلب هويتها ودورها الاجتماعي. فهي ابنة هذا الوطن المبارك الذي صاغته العقيدة الإسلامية السمحة، وربّته القيادة الرشيدة على معاني الكرامة والحياء والطهر والعطاء. ولم تكن مكانة المرأة السعودية طارئة ولا مصنوعة، بل هي ثمرة جذور ضاربة في عمق الفطرة، وتربية ممتدة في نور الدين، وانفتاح واعٍ على العصر دون أدنى تفريط بالثوابت.
إن المرأة السعودية تُجسد أنموذجاً نادراً نجح في الجمع بين المشاركة الفاعلة في النهضة، وبين الحضور الأسري المشرق الذي يصنع الأجيال ويرسخ القيم، في توازن بديع لا يقدر عليه إلا من حملت في داخلها صفاء الفطرة ونقاء السريرة وسموّ الروح وهذه بعض سماتها السامية :
أولاً: الفطرة السليمة والهوية الروحية: قلبٌ طاهر وسلوك مستقيم
تميزت المرأة السعودية بسلامة الفطرة التي تحفظها تعاليم الإسلام وتحسن صياغتها. فهي تعيش إيمانها بطمأنينة، وتتمسك بحيائها الذي هو شرفها، وبعفتها التي هي عنوان كرامتها، وبحشمتها التي تضفي على حضورها وقاراً واحتراماً.
وهذه القيم ليست مظهراً اجتماعياً، بل هي امتداد لسريرة نقية وباطن طاهر. حياؤها ليس ضعفاً، بل قوة معنوية تصونها وترفع قدرها. وعفتها ليست قيداً، بل تاج كرامة يمنحها حضوراً صادقاً وتأثيراً عميقاً في أسرتها ومجتمعها.
ومن هنا فإن المرأة السعودية تحيا في انسجام تام مع مبادئ الحياء والطهارة، وتمنح هذه القيم للأجيال سلوكاً وسيرة وقدوة، لتنتقل الأخلاق من الكتب إلى البيوت، ومن الوعظ إلى الواقع.
ثانياً: رسالتها الأسرية: مصنع الأجيال ومهبط القيم
لم تتخلَّ المرأة السعودية قط عن موقعها الأصلي كركيزة للأسرة، بل استطاعت بإيمانها وذكائها ووعيها أن تجعل من بيتها منارة تنجب الأجيال وتربي العقول وتصنع الشخصيات.
فهي الأم التي تغرس في قلب الطفل أول بذرة توحيد، وتعطيه أول درس في الحياء، وتلقّنه أول معنى للصدق، وتعلّمه أول صيغة دعاء. وفي أحضانها يتعلم الطفل معنى الاحترام، وفي ملامحها يرى الطهر، وفي صبرها يتعلم الثبات، وفي حكمتها ينمو مستقبله.
وهي الزوجة التي تحفظ البيت بخلقها، وتحميه برزانتها، وتمنحه السكينة التي وصفها الله بأنها أساس العلاقة. وهي الركن الهادئ الذي تستند إليه الأسرة حين تعصف المتغيرات، والروح الطيبة التي تبقي البيوت دافئة مهما تغيّر العالم.
إن التربية الأسرية التي تقودها المرأة السعودية ليست عملاً ثانوياً، بل هي الجبهة الأولى لصناعة المستقبل. ولذا حافظت المرأة السعودية على هذا الدور بوصفه شرفاً سامياً، وواجباً مقدساً، ورسالة حضارية لا يزاحمها فيها عمل آخر مهما سما.
ثالثاً: قيم العفة والحياء والحشمة: توازن نادر بين الروح والدور المجتمعي
ما يميز المرأة السعودية أنها تربط مشاركتها في التنمية ببوصلتها الأخلاقية الثابتة. فهي حين تتقدم في العلم لا تتخلى عن حيائها، وحين تعمل لا تفرط في عفتها، وحين تنجح لا تنفصل عن قيمها.
الحشمة لديها ليست عرفاً اجتماعياً، بل عبادة وسلوك، ووعيٌ بأن كرامة المرأة لا تُستمد من انكشافها، بل من صفاء روحها وشرف مقامها.
والحياء عندها ليس انزواءً، بل حضور راقٍ يفرض احترامه دون ضجيج.
أما العفة، فهي الجدار الأخلاقي الذي يحفظ الأسرة والمجتمع، ويجعل من المرأة السعودية قدوة في كل مكان توجد فيه.
لقد حفظت المرأة السعودية تلك القيم لأنها تدرك أن التربية ليست كلمات تُقال، بل سلوك يُرى، وأن الأجيال لا تحفظ ما تسمعه، بل ما تراه في وجه أمها وحياتها وأخلاقها.
رابعاً: الجمع بين الدور الأسري والدور الحضاري
إن أعظم ما يميز المرأة السعودية قدرتها على الجمع بين بيتها وعلمها، بين رسالتها الأسرية ومشاركتها في بناء الوطن. فهي الأم التي تربي، والمعلمة التي تُعلّم، والطبيبة التي تعالج، والمهندسة التي تخطط، والقيادية التي تُلهم، ورائدة الأعمال التي تحرك الاقتصاد.
ورغم كل هذه الأدوار، لم تهتز مكانة الأسرة في قلبها يوماً، ولم تتراجع أولويتها أمام طموحاتها، بل ارتقت بحكمتها إلى صياغة نموذج يُحتذى: امرأة تصنع الأمومة في أبهى صورها، وتصنع النجاح في أعلى مستوياته.
خامساً: المرأة السعودية وصناعة المستقبل
بفضل قيم الطهر والحياء والعطاء، وبفضل وعي الأسرة وقيادة الوطن، أصبحت المرأة السعودية اليوم جزءاً أساسياً من بناء النهضة. فهي التي تزرع القيم في النفوس، وتؤسس لجيل متزن لا تهزّه العواصف، وتساهم في بناء مجتمع راسخ الهوية، قوي الطموح، نقي الجوهر.
إنها سيدة تليق بحضارة، وأم تليق بجيل، وابنة تليق بوطن، وشريكة تليق برؤية مستقبلية تمتد إلى أبعد من حدود الزمن.
خاتمة
هذه هي المرأة السعودية…
قيمةٌ في ذاتها، ورسالةٌ في أخلاقها، وقدوةٌ في حيائها، وعطاءٌ في علمها، ونورٌ في أسرتها.
وهذا هو سموّها الإنساني الذي لا يشوّهه صوت نشاز ولا ينقص من قدره انطباع عابر، لأنها ثابتة على أصولها، متقدمة في خطواتها، رائدة في مجالاتها، وصانعة لأجيال تبني الغد كما حافظت على الأمس.
وستبقى المرأة السعودية، بعفتها وطهرها وأصالتها ودورها الأسري العظيم، رمزاً حضارياً لا يُجارى، ولبنة أساسية في قصة الوطن الخالدة.