بقلم - عبدالمحسن بن محمد الحارثي
لا يمكن لأي مراقب اجتماعي أن يغضّ الطرف عن ظاهرة تكاليف الزواج التي استفحلت خلال العقود الأربعة الماضية، حتى صارت «الثقيلةُ منها خِزياً، والخفيفةُ عاراً» كما قال بعض الحكماء في وصف التكلُّف.
لقد ابتعدنا عن الهدي النبوي الذي علّمنا أن «خير النكاح أيسره» (حديث صحيح)، واتجهنا نحو ثقافة استهلاكية جعلت الزواج رقصة على حافة الهاوية: ساعات من الفرح.. وأعوام من المعاناة.
من يتأمل واقعنا اليوم يدرك أن ما يقع ليس مجرد “غلاء مناسبات”، بل تحوّل اجتماعي خطير يصنع أزمات تمتد من اقتصاد الأسرة إلى نسيج المجتمع: عزوف الشباب والفتيات عن الزواج، وارتفاع نسب الطلاق المدفوع بأسباب مادية بحتة، وتحوّل الزواج من «سكن ومودة ورحمة» إلى سباق مرهق للمظاهر، يخلو من الروح التي أرادها الله بقوله تعالى:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
لكن كيف نحيا بالمعروف .. ونحن نبدأ حياتنا بالإسراف؟!
حين تتحول الأعراف إلى أغلال
كانت الأعراف الاجتماعية في السابق تضبط الإنفاق، فتكون “العشرة” أهم من “العشرة آلاف”، أما اليوم فقد أخذت العادات مكان التشريعات، وكأن مقولة “الناس على دين ملوكهم” تحولت إلى “الناس على دين مظاهرهم”.
تضاعفت المتطلبات:
• قاعات فارهة،
• عدد مدعوين يفوق أهل الحي،
• تصوير وإضاءة وديكورات لا يعرف العريس أسماء نصفها،
• وكماليات تُفرض على الشباب فرضاً.
لقد صار الزواج يتّسع أفقاً ويضيق تحقّقاً، وصدق المثل العربي: «من استطال الطريق ضعف سيره»؛ فكلما طال جدول المتطلبات، ضعف إقدام الشباب.
وفي ظل هذا ؛ لا يمكن إغفال دور العائلات.
كثير من البيوت ـ وللأسف ـ أصبحت ترى في البساطة نقصاً وفي التيسير عيباً، مع أن الله تعالى يقول:
﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾
ولو توقف كل فرد عند هذه الآية وحدها، لانتهت نصف المشكلة.
أغنياء الأمة.. أنتم القدوة
من واجب الأغنياء اليوم أن يكونوا نموذجاً يُحتذى لا شاهداً على التبذير.
لقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «من كان قبلكم هلكوا في فضول أموالهم».
وقال علي بن أبي طالب: «ما زاد عن القوت فهو حِساب».
وما أحوجنا إلى أن نرى أهل اليسر يقدّمون نموذجاً مختلفاً: حفلات بسيطة، مهور ميسّرة، وقاعات محدودة، يفتحون بها باب البركة، ويقولون للمجتمع عملياً: «البساطة ليست عيباً.. العيب أن نثقل كواهل شبابنا».
إن القدوة أكثر تأثيراً من كل الخطب، وقديماً قال الحكيم:
«لسان الحال أنفذ من لسان المقال».
الفرح حق.. لكن دون مخالفة للسنن
ليس المطلوب أن نُطفئ الفرح من بيوت الناس، فالفرح سنة، وزينة الحياة مشروعة، يقول تعالى:
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾
لكن الاستقامة في الفرح هي المفقودة.
فرسول الله ﷺ، وهو من هو ؛ زوّج فاطمة وعلياً برفق ويسر، وكانت وليمة زواجه على شاة واحدة، وقال في الحديث الصحيح:
«أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة».
فكيف نقول اليوم إن التيسير “قلة وجاهة” ؟!
وهل يكون المرء أكثر وجاهة من رسول الله؟!
حين تصبح القوانين مشرطاً لجراح اجتماعي
لقد بلغت الظاهرة حدّاً لا يُصلحه الوعظ وحده، ولا ترده المقالات مهما بلغت حرارة كلماتها.
إننا نحتاج إلى تدخل تشريعي حازم يعيد الأمور إلى نصابها، ويحدّ من الغلوّ في مظاهر الزواج، ويضبط القاعات، ويضع سقفاً لعدد المدعوين، ويمنع المغالاة في المهور، ويُشرّع نماذج موحدة تُلزم الجهات، وتُنقذ الشباب من الغرق في الديون.
الدولة هنا ليست متدخلة بفرح الناس، بل حافظة لحقهم، قائمة بدورها الذي أشار إليه القرآن في قوله تعالى:
﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾
والقسط المطلوب اليوم أن نعيد للزواج معناه: بناءٌ لا استعراض، وطمأنينة لا ديون، ومودة لا مظاهر جوفاء.
*نداء لضمير المجتمع*
إن تكاليف الزواج ليست أرقاماً في دفتر، بل بوابة لحياة قد تبدأ ببركة… وقد تبدأ بثِقل.
ولذلك قال الإمام الشافعي:
«من تكلّف ما لا يطيق، طال عذابه»،
وصدق سقراط حين قال:
«ثمن العظمة هو المسؤولية»؛
ومسؤوليتنا اليوم هي أن نصنع مجتمعاً يسير فيه الشباب إلى الزواج بخطى ثابتة لا مرتجفة.
فَلْنَعُدْ إلى الهدي النبوي، ولنُطفئ نار التكلّف، ولنجعل أفراحنا أقرب إلى روح الإسلام وأبعد عن سوق المظاهر.
وليتذكّر كل أب وأم، وكل غني ومقتدر، أن أعظم الهدايا التي يقدمونها لأبنائهم… أن يتركوهم يدخلون الحياة بلا أغلال.