النهار

٠٧ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٧ ديسمبر-٢٠٢٥       8360

بقلم حمد حسن التميمي - النهار

تخيل لو استيقظت غدًا في عالم لا تُعرض فيه أرقام المتابعين فوق رؤوس الناس. لا أحد يعرف كم شخصًا يراقبك من بعيد، ولا أحد يملك دليلًا بصريًا على "شعبيته" أو "نفوذه". الطريق إلى الإنسان يمر من قلبه وسلوكه وأثره، لا من خانة رقمية تُدعى «متابعة». فجأة، تسقط الهالة التي صنعتها الشاشات، ويعود الإنسان إلى حجمه الحقيقي: بما يقدمه، لا بما يظهر منه.
خانة "متابعة" لم تعد مجرد زر؛ تحولت إلى معيار اجتماعي صامت يعيد ترتيب الهرم من جديد. كثيرون باتوا يُقاسون بعدد من يتابعهم، لا بعدد من يمكنهم أن ينهضوا به في لحظة سقوط واحدة. هذا المنطق غذته منصات التواصل التي نجحت في تحويل الانتباه إلى عملة، والشهرة إلى رأس مال، حتى صار بعض التافهين رموزًا لأنهم أتقنوا لعبة الظهور المستمر لا لعبة القيمة الحقيقية.
لو ألغينا هذا المعيار في الحياة الواقعية، لوجدنا أنفسنا مضطرين إلى طرح أسئلة مختلفة: من الذي يضيف لوعينا؟ من الذي يحمي ذوقنا من الانحدار وسط الهوس الجماعي بكل ما يلمع؟ من الذي يستحق أن نمنحه وقتنا، لا فقط إعجابنا؟
من دون خانة "متابعة"، ستتغير طريقة اختيارنا لمن نقترب منهم. لن نبحث عن الذين يتزاحم عليهم الجمهور، بل عمن تتزاحم في صحبتهم الطمأنينة والمعرفة والصدق. لن نُحرج لأننا لا "نتابع" كل شخص نلتقيه، فالعلاقة لن تُختزل في نقرة، بل في وقت يُقضى، وكلمة تُقال، وموقف يُختبر. سيعرف كل واحد أن قيمته الحقيقية لا تتضخم بتضخم الجمهور، بل بتماسك ضميره أمام إغراء التصفيق وسهولة التكرار، وأن الأخلاق لا تُختبر في فضاء افتراضي فقط، بل في تفاصيل الواقع الذي لا يمنحك فلاتر جاهزة لتحسين صورتك.
والأهم، أننا سنكتشف فجأة ضآلة المسافة بين "المؤثر" و"المتأثر". كثير ممن نحملهم أكبر من حجمهم لأننا نتابعهم، قد لا يحملون من الحكمة ما يحمله جار بسيط، أو معلم هادئ، أو أب أمضى عمره في الصبر والعطاء بعيدًا عن الكاميرات. حين تسقط خانة "متابعة"، يعود التأثير إلى مكانه الطبيعي: فعل يومي صغير، كلمة صادقة، موقف شجاع، لا فيديو مُعد بعناية ليرضي الذوق العام الذي صُنع مسبقًا على أعين الخوارزميات.
ربما لو ألغينا خانة "متابعة" من حياتنا الواقعية، لاكتشفنا أننا كُنا نتابع الكثير من الوجوه، ولا نصاحب إلا القليل من القلوب. عندها سيصبح السؤال أصعب وأكثر صدقًا: ليس "كم عدد الذين يتابعونك؟"
بل "كم إنسانًا سيشعر بالفراغ حقاً إذا انسحبت من حياته؟".
هل نرضى أن نعيش أعمارنا مطاردين بأعين كثيرة لا تعرفنا، أم نختار أن نكون حاضرين بصدق في حياة قلة تعرف من نحن فعلًا؟