النهار
بقلم- أحمد بن سعد بن غرم الغامدي
إذا كانت المهن تُقاس بمعايير العطاء، وتُوزن بميزان أثرها في رقي الأمم، وإذا كانت العظمة تكمن في صناعة الحياة لا في صناعة الأشياء، فإن المهنة التي لا تُدرَّس في الجامعات، ولا تُمنَح لها شهادات، ولا تُقاس نجاحاتها بأرباح مادية، هي أشرف المهن على الإطلاق: مهنة ربة البيت. إنها المهنة الجامعة بين فلسفة الحب وفن العطاء وعلم التربية، وليست عملاً تقليدياً، بل خلافة إنسانية تُدار بحكمة القلب قبل عقل الجدول، وبمنطق الرحمة قبل قانون المصلحة.
وقد عظّمها الوحي قبل أن يعظّمها البشر؛ فالمرأة في بيتها ليست سكنًا وحسب، بل هي التي تصنع السكن النفسي والمودة والرحمة في كل زاوية، كما قال تعالى: «لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا». وهي أول من يتولى التربية الشاملة التي أشار إليها قوله: «كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا». وهي الراعية المسؤولة في مملكتها كما قرّر النبي صلى الله عليه وسلم، وهي التي أوصى بها ثلاثاً قبل الأب، تكريماً لرسالتها الأولى. وما من عظيم إلا وكانت خلفه أم صنعت وعيه، وغرست يقينه، وأيقظت فطنته. وأمهات العلماء والأبطال في تاريخ الأمة شاهدٌ لا ينقضي ذكره.
وليس العقل بعيداً عن هذا التكريم؛ فالعقل يدرك أن بناء الإنسان أعظم من إدارة أي مؤسسة، وأن تشكيل وعي طفل أهم من إدارة شركة، وأن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في صناعة الجيل لا في زيادة الأرقام. ولو قُيِّم عمل الأم مادياً—من حيث كونها مربية، ومعلمة، وطبيبة، وطاهية، ومديرة أسرة، ومستشارة نفسية—لجاوز راتبها أعلى الرواتب، غير أن قيمة عملها أعمق من أن تُقاس بالنقود، لأنها تتعامل أعظم الأشياء : القلب والعقل والروح.
والتاريخ والتجربة يشهدان بأن المجتمعات التي عظّمت دور الأم، ورفعت من شأن ربة البيت، هي المجتمعات التي بنت حضارة راسخة. ففي الأندلس كانت الأمهات يحفظن القرآن مع أطفالهن قبل دخولهم الكتاتيب، فتخرج جيل العلماء والفقهاء. ، إن النصوص الإسلامية تُجل الأسرة وتعظم دور الأم، لأنها هي من يرفع مؤشرات التربية السليمة والاستقرار العاطفي، ويزدهر الإبداع العلمي.
وربة البيت ليست حارسة للجدران، بل حارسة للحكمة، وخازنة للذاكرة الأخلاقية، ومهندسةٌ لتحولات الروح. إنها التي تحوّل الطعام إلى دفء، والحجر إلى وطن، والكلمة الصغيرة إلى منهج حياة. تربيتها ليست ملءَ أوعية، بل إضاءة شموع العلم والحكمة والبصيرة . والبيت عندها ليس أثاثاً، بل تاريخاً يُروى، وطمأنينة تُنسج، ويد رحيمة تمسح جبيناً محموماً، وهمسة أمل في ساعة يأس.
ولذلك قلنا وسنقول: اصنعوا لنا أمهاتٍ رباتِ بيوت؛ حتى يصنعن لنا الأجيال التي تصنع لنا الحياة المتفوقة المنتجة الأولى. فالأم الواعية تصنع جيلاً لا يستهلك الحياة، بل ينتجها، ولا يستسلم للفوضى، بل يكوّن نظامه الداخلي من أول يوم يفتح فيه عينيه على الدنيا.
وإنّ المجتمع الذي يُعظّم مهنة ربة البيت هو مجتمعٌ نابهٌ يقظ، أدرك أنه وقع على أساس النهضة الحقيقية. فهو يعظّم الجذور قبل الفروع، والبدايات قبل النتائج، والوعي الأول قبل كل طموح لاحق. وليس معنى التعظيم أن نريد ربة بيتٍ تقليدية، بل نريد ربة بيت تحمل العلم والتخصص؛ ملمةً بأصول التربية، خبيرة بالصحة النفسية والجسدية، تمارس الذكاء الأسري، وتفهم مراحل النمو، وتقرأ لغة الطفل قبل أن يستوي كلامه. نريد مربية تصنع الإنسان القوي السليم المستقيم، لا مجرد مشرفة على شؤون يومية. وهذه هي النهضة الحقيقية: أن نبدأ من الأم، لأن كل بناء يبدأ من القاعدة، وقاعدة الأمة هي المرأة في بيتها.
فمن عظّم مهنة ربة البيت فقد عظّم أمته، واحترم مستقبل وطنه، ووضع قدمه على أول الطريق نحو حضارة تستند إلى إنسان سليم، وروح مطمئنة، وبيتٍ عامر بالسكينة. فاللهم احفظ لنا ربات البيوت ، وبارك في بيوت المسلمين، واجعل من هذه البيوت مصانع للنور، ومن الأمهات منارات تهدي قلوب الأبناء إلى الرشد والصلاح.