النهار

٠٥ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٥ ديسمبر-٢٠٢٥       9295

بقلم- جمعان الكرت

شكرًا لأخي البروف علي عوده الذي أطلعني على طرح البروف  عارف المخلافي لمصطلح “التاريخ المُقنَّع”، وما تضمّنه من جمع طائفة واسعة من الباحثين في إطار واحد. ولأهمية المنهج في الدراسات التاريخية واللغوية، أرى ضرورة توضيح عدد من الحقائق العلمية:
أولًا: الباحثون المذكورون ينتمون إلى مدارس مختلفة لا إلى منهج واحد تجميع باحثين متباينين في:
أدواتهم، منطلقاتهم، خلفياتهم المعرفية، وطبيعة قراءاتهم للنصوص القديمة، وجمعهم في سياق واحد بوصفه منهجًا “مقنّعًا”، هو تعميم غير دقيق؛ فبعضهم اعتمد على التشابه اللفظي وحده، وبعضهم على مقارنات أدبية، وبعضهم على قراءات سياسية للنص، بينما تختلف منهجيات أخرى اختلافًا تامًا عن كل ما سبق.
ثانيًا: نموذج منهجي مغاير — كتاب أبحاث في التاريخ الجغرافي للقرآن والتوراة
من بين الأعمال التي أُدرجت في قائمة “التاريخ المقنّع” كتابٌ يستحق التمييز المنهجي، وهو كتاب «أبحاث في التاريخ الجغرافي للقرآن والتوراة للدكتور أحمد قشاش» إذ يمثل هذا العمل مقاربة بينية دقيقة لا تقوم على التشابه اللفظي ولا على الإسقاط الجغرافي المجرد، بل تعتمد على مجموعة من الأدوات العلمية المتكاملة، منها:
التحليل اللغوي التاريخي وفق قواعد علم الأصوات والإبدال،
المقارنة بين جذور الألفاظ السامية ولهجات الجنوب العربي،
المسوحات الميدانية للجبال والأودية والممرات القديمة،
دراسة البيئات النباتية والمائية وربطها بالسياق النصي،
قراءة النقوش والروايات المحلية في مواضعها،
وتحليل الطبوغرافيا بوصفها جزءًا من بنية المعنى التاريخي.
هذه المنهجية تختلف جوهريًا عمّا تناولته أطروحة “التاريخ المقنّع”، ولا تنتمي من حيث الأساس إلى المدرسة التي انتقدها المؤلف، مما يجعل إدراجها فيها اختزالًا غير منصف.
ثالثًا: إعادة النظر في جغرافية النصوص ليست تزويرًا بل ممارسة علمية راسخة
الدراسات الحديثة في تاريخ الشرق الأدنى واللغات السامية تشجع على:
إعادة قراءة الجغرافيا،
اختبار الفرضيات السائدة،
مقارنة النصوص بالبيئة،
والاستفادة من المعطيات الميدانية.
ولذلك فإن الاجتهاد في إعادة ربط النصوص ببيئاتها اللغوية والجغرافية الأصلية عمل مشروع ما دام قائمًا على أدوات تحليلية واضحة، وليس “تاريخًا مقنّعًا” أو “تلفيقًا جغرافيًا”.
الخلاصة
مصطلح الدكتور المخلافي يستحق النقاش، لكن تطبيقه يحتاج إلى تمييز منهجي أدق بين المدارس المختلفة.
فليس من العدل العلمي مساواة:
منهج يقوم على الانطباع،
بمنهج يجمع بين اللغويات التاريخية والجغرافيا الميدانية والنقوش والبيئة، كما هو الحال في كتاب «أبحاث في التاريخ الجغرافي للقرآن والتوراة».
والبحث الرصين لا يقوم على تجميع المختلفين، بل على تحليل كل منهج وفق أدواته ومسلماته.