النهار

٣٠ نوفمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٣٠ نوفمبر-٢٠٢٥       8965

بقلم - أحمد بن سعد بن غرم الغامدي

إن العقل الإنساني يمثل المفارقة الأعظم في هذا الكون، فهو في الوقت ذاته أداة المعرفة ومصدر الجهل، منبع الحكمة ومنشأ الضلال. هذه الثنائية الجوهرية تشكل المعضلة المركزية في علاقة الإنسان بذاته، بل وفي مصيره كله.

والعقل جزء من الإنسان مخلوق لله تعالى ، للقيام بوظائف مهمة في الحياة ، ومزود بقدرات معجزة خارقة إن رشد  .

لكن العقل الذي لم يعترف بخالقه يكون قد فقد شرطه الجوهري في العقلانية ، لأن أول مقتضيات العقل أن يعرف من أين بدأ، وكيف وجد، وإلى أين يمضي. إنه يشبه سفينة تبحر في محيط لا تنتهي أعماقه، لكنها ترفض الاعتراف بمن صنعها أو بالمنفذ الذي جاءت منه، أو بالميناء الذي تقصده. وهذا العقل -في حقيقته- ليس سوى آلة حسابية جافة، تفتقر إلى البعد الروحي الذي يمنح الوجود معناه.

أما العقل الذي يعترف بالخالق ثم لا يخضع لتوجيهاته، فيمثل تناقضاً وجودياً أكثر خطورة. إنه يشبه طبيباً يعرف الدواء لكنه يرفض تناوله، أو مرشداً يرى الطريق لكنه يعاند ويتمرد. هذا التناقض ليس مجرد ضعف في الاستجابة، بل هو خيانة فكرية، حيث يتحول الإيمان إلى مجرد فكرة نظرية لا سلطة لها على أرض الواقع.

وأخطر من هذا كله ذلك العقل الانتقائي، الذي يتعامل مع الحقائق كما يتعامل التاجر مع البضاعة، يختار ما ينفعه ويترك ما يعوقه. هذا العقل المفلس أخلاقياً، المتهالك فلسفياً، يتحول إلى أداة تبرير لكل نزوة، وإلى سلاح لكل هوى.

إن العقل في حقيقته الأولى مناط التكليف، فهو الجسر الذي تعبر عليه الأوامر والنواهي إلى منطقة الوعي، وهو الأداة التي تدرك المعاني وتفكك الرموز، وهو المنبع الذي تستقي منه الذات توازنها وانسجامها. لكن هذه القوة النبيلة تحمل في داخلها بذور تدميرها؛ فالقدرة على الطاعة تحمل إمكانية التمرد، ونور المعرفة يحتمل ظلام الجحود، وجمال التناغم قد يتحول إلى قبح الاختلال.

وهنا تكمن المأساة العقلية : أن الحارس الأمين قد يتحول إلى عدو لدود، وأن الضابط الحازم قد يصبح قوة منفلتة. حين يخرج العقل عن سيطرته الذاتية، تتحول إراداته من مسارات بناء إلى طرق هدم، وتصبح قراراته أدوات ظلم وجور، لا تفرق بين الذات والغير، ولا تميز بين الصالح والطالح.

تلك المعركة الداخلية بين الذات وعقلها تشبه رحلة مركبة فقدت مقودها ومكابحها، تتجه في طريق وعر تحفه المخاطر، تحمل في داخلها أمانة بشرية، تضرب في كل اتجاه حتى تصطدم بالحواجز التي توقفها، أو تتحطم على صخور الواقع. إنها رحلة اليقظة في عالم من الغفلة، والسعي نحو المعرفة في بحر من الجهل.

ولعل في التاريخ عبرة، فها هو فرعون يمثل النموذج الأكمل للعقل المنفلت، الذي قال: "أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى"، فكانت عاقبته الغرق في بحر من الغرور. وها هي الحضارات تزول حين تتحول عقول قادتها إلى أدوات للطغيان والاستكبار.
وهكذا ينفلت العقل عندما يطغى بالمال كما فعل قارون عندما قال : ( قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ) .

وفي عصرنا الحاضر، نرى كيف يتحول العقل المنفلت إلى آلة تدمير، حين يستخدم المعرفة العلمية في صنع أسلحة الدمار، أو حين يحول التقنية إلى وسائل للاستلاب والاستعباد. إنه العقل الذي فقد بوصلته الأخلاقية، فصار كطائر يحلق في السماء بلا اتجاه.

لا خلاص من هذه المعضلة العقلية إلا بإدارة حكيمة تقوم على ثلاثية أساسية: صفاء الفطرة الذي يعيد الاتصال بالجوهر الإنساني الأول، والاستنارة بالوحي الذي يضيء الطريق بالأنوار الإلهية، والتسليم للحقيقة الربانية التي تمثل الخضوع الكامل للواقع الشرعي كما هو، لا كما نريد أن يكون.

فالفطرة الصافية هي البوصلة التي ترشد العقل إلى اتجاهه الصحيح، والوحي هو الخارطة التي ترسم له مساره الأمثل، والحقيقة هي الوجهة التي يجب أن يسير نحوها. بدون هذه الثلاثية، يتحول العقل من نعمة إلى نقمة، ومن وسيلة خلاص إلى أداة هلاك.

إن العقل الذي لم يخضع لسلطان الحكمة الربانية يكون قد خسر معنى العقلانية الحقيقية، لأن العقلانية الحقة ليست في التحرر من كل القيود، بل في الانضباط بالإطار الذي يحفظ للعقل عقلانيته التي لا تنازع الله سلطانه . فكما أن النهر يفقد جماله إذا خرج عن ضفتيه، يفقد العقل قيمته إذا خرج عن حدوده التي حدها الله له .

هذه هي المفارقة العميقة في الوجود الإنساني: أن أعظم نعمة يمكن أن تتحول إلى أعظم نقمة، وأن أقوى أدة للبناء يمكن أن تصبح أسوأ آلة للهدم. والفرق بين الحالتين يكمن في مدى خضوع العقل للحكمة الربانية ، واستنارته بالوحي، والتزامه بالحق.

يحقق العبودية لله تعالى ، ويكون خليفة أميناً قوياً في الأرض ، يعمرها ويستثمرها ويجدد الحياة كلما بليت .

فلتكن عقولنا خادماً لقلبنا، وقلبنا خادماً لفطرتنا، وفطرتنا منقادة لوحي ربها . مبدعة مبتكرة منتجة منافسة .

 عندها فقط نستطيع أن نحقق التوازن الذي يحقق الهدف من وجودنا ، وننجو من براثن العقل المنفلت، ذلك الوحش الكامن في أعماق كل إنسان.