جمعان الكرت
بقلم - جمعان الكرت
اختلط حبّ المساقي وحبّ العثري… و”بعد يزيد”؛ عبارةٌ كان يردّدها غرم التهامي "يرحمه الله"كلما شاهد وجوهًا غير مألوفة لديه. كان غرم يقتعد ركنًا ثابتًا في سوق أحد رغدان، يفرش أمامه منتوجاته السعفية من صنع يده: قفاف، مقاشش، مساطح، وغيرها من المصنوعات التي شكّلت ذاكرةً متوارثة لرائحة السعف ونكهة القرى.
وفي أثناء وجوده في السوق، كان يضفي بهجة على مرتاديه من خلال طريقة بيعه، وأسلوب كلامه، وحركة جسده التي توحي بأن روحه مخلوقة من مرحٍ طبيعي لا يتكلّف. وما إن ينفضّ السوق الشعبي من مرتاديه حتى يسارع في جمع ما بقي من بضاعته ليضعها على ظهر حماره.
تلازمٌ عجيب بينه وبين مركبته؛ ليست سيارة من صنع الإنجليز أو الطليان أو الأمريكان أو حتى اليابانيين، بل حمارته الغبراء التي ألفته وألفها، صحبته الصادقة في الطرق الوعرة ومسالك الجبال. كانت هذه الرفقة تنقل منتجاته اليدوية ليعرضها في أسواق سراة الباحة، وينتهي به المقام دائمًا في رغدان وسوقها الأسبوعي الشهير «الأحد».
كان “غرم” حالة فريدة في جَلده وصبره؛ صنع لنفسه حذاءً من إطار سيارة، فصّله على مقاس قدميه. ومع الزمن أخذت قدماه في الانحناء بحسب انحناء قطعة الإطار الصلبة، ورغم متانة الصنع فإنه بعد مشاوير طويلة صعودًا إلى قمم الجبال وهبوطًا إلى بطون الأودية كان الحذاء يتمزق، ليستبدله بآخر يشبه ما قبله.
يقف غرم في منتصف سوق الأحد، وبصوته الحاد المميز، وبإنشاد لا تخطئه الأذن، ينثر كلماته على رؤوس المتبضعين:
«اختلط حبّ المساقي وحبّ العثري… وبعد يزيد!»
لتصبح العبارة علامة مسجلة باسمه، أو كما يقول أبناء المنطقة: «مُجَمْرَكَة لغرم».
وتوضيحًا لدلالاتها:
حبّ المساقي هي الحبوب التي تنتجها الأراضي المسقاة من الآبار، أما حبّ العثري فهي الحبوب التي تنبت في المدرجات الزراعية في سفوح الجبال وتعتمد على مياه الأمطار.
لكن غرم لم يقصد الزراعة حرفيًا، بل كان يشير إلى اختلاط الأجناس البشرية التي لفتت انتباهه: الصينيون والكوريون الذين قدموا للباحة مع تأسيس شركة كهرباء الباحة، والأمريكيون والأوروبيون والفلبينيون الذين اشتغلوا في مستشفى الملك فهد عند افتتاحه.
وجدت بضاعته – التي كان يعدّها البعض بسيطة أو “مهملة” – اهتمامًا وإعجابًا وشراءً من أجناس لم يتعوّد رؤيتها، فازداد دهشته وازداد تعلقه بعبارته المفضلة.
وكان غرم وفيًّا لذكرياته؛ بنى منزلين حجريين صغيرين في مسقط رأسه بقرية «الجُوّة» بتهامة، وسمّى أحدهما رغدان والآخر زهران، دون أن يدري أن قصرين ملكيين في الأردن يحملان الاسمين نفسيهما. سرّ التسمية بسيط: لأن بضاعته كانت تجد إقبالًا ورواجًا في سوق رغدان وأسواق زهران الشعبية، فخلّد المكان في حجارة بيته.
وحين ذاعت عبارته في الأوساط الاجتماعية، توجّس البعض: ماذا يقصد غرم؟ هل وراء الكلمات أسرار؟ هل تحمل دلالات سياسية؟
لكن الدلائل كلها تؤكد أن الرجل كان بسيطًا لا يعترف بالأيدولوجيا، ولا تعنيه السياسة، بل كان غارقًا في همّه الخاص، مشغولًا ببضاعته المتواضعة، وبسعيه اليومي في الأسواق.
مكث غرم سنوات طويلة في رغدان، فلما أرهقه العمر تركها قبل وفاته بفترة قصيرة ليعود إلى مسقط رأسه، كأن الجبل يستدعي أبناءه في اللحظة الأخيرة.
هناك رحل في صمت، وظلت عبارته ترنّ على الألسنة بعد رحيله لسنوات طويلة، ولا تزال، وكأن صدى صوته الحاد ما زال ينساب بين جنبات سوق الأحد.
وما زالت الحقوق محفوظة للمؤلف: غرم؛ الرجل الذي اختلط في حياته حبّ المساقي وحبّ العثري… فأنبت حكاية مدهشة..