النهار السعودية

٢٩ نوفمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار السعودية
التاريخ: ٢٩ نوفمبر-٢٠٢٥       32065

بقلم - تركي عبدالرحمن البلادي 

في زمن تتسارع فيه الأحداث وتختلط الأصوات، يُصبح الوصول إلى الحقيقة مهمة أشبه بالبحث عن إبرة في كومة ضجيج. الكل يتكلم، والكل يدّعي المعرفة، والكل يسعى ليُسمِع صوته أعلى من الآخر، حتى وإن افتقد المضمون. هنا فقط يظهر الفارق الجوهري بين ضجيجٍ بلا معنى، وصوت عقلٍ هادئ قادر على أن يُسكت الجميع بكلمة مبنية على منطق وفكر. حين يتحدث العقل يسكت الضجيج، لأن العقل لا يحتاج إلى صراخ ليُقنع، ولا إلى تلميع ليظهر، فالفكرة القوية لا تحتاج إلى طبل، والوعي لا يحتاج إلى إعلان مدفوع كي يثبت نفسه.

كثيرون اليوم يظنون أن المال قادر على أن يصنع ثقافة، أو يشتري مكانة، أو يرفع قيمة فارغة. تُقام الاحتفالات، تُشعل الأضواء، تُصفّق الحشود، ويُرفع من ليس أهلًا للرفع، لا لميزة فيه، بل لوجود من يدفع ليصل. إلا أن المفارقة المؤلمة تظهر مع أول اختبار حقيقي؛ ينكشف السطح، ويغيب اللمعان، ويُظهر الواقع حقيقة بسيطة لا تحتاج إلى تأويل: الثقافة لا تُشترى، والمكانة لا تُشترى، والقيمة لا تُشترى. لأن الوعي ليس بضاعة، والفكر ليس صفقة، والمعرفة ليست إعلانًا ترويجيًا مؤقتًا.

ليس المال هو ما يصنع الترتيب أو يخلق الاحترام، وإنما السلوك، المنهج، والقدرة على البناء المعرفي. المجتمع الواعي هو من يُقيّم الإنسان بفكره قبل شكله، وبأثره قبل شكله، وبما يقدمه قبل ما يدفعه ليظهر. في المقابل، المجتمعات التي تكتفي بالمظهر ستجد نفسها يومًا تدور في دائرة فراغ لا تخرج منها إلا بعد أن تدفع ثمنًا كبيرًا من الزمن والفرص الضائعة.

المسألة ليست عداءً للمال، فهو أداة بناء حين يوضع في مكانه الصحيح، بل القضية في الاعتقاد الخاطئ بأنه قادر على خلق قيمة فكرية أو ثقافية مستقلة بذاته. فالمال يستطيع أن يبني مسرحًا، لكنه لا يستطيع أن يخلق فنانًا. يستطيع أن يصنع منصة، لكنه لا يستطيع أن يصنع كاتبًا. يستطيع أن يشتري كتابًا، لكنه لا يستطيع أن يشتري عقلًا يفهمه. والقيمة الحقيقية لا تُقاس بما نملك، بل بما نضيف، وما نصنعه من أثر يبقى بعد غيابنا.

وحين يتحدث العقل يسكت الصخب وتتضح الحقيقة: من يعلو بالمال يهبط بانقطاعه، ومن يعلو بالفكر يظل ثابتًا لا تهزه الظروف. المال يشتري جمهورًا يومًا، لكنه لا يشتري احترامًا مؤبدًا. أما الثقافة فتبقى، لأن مصدرها داخلي، لا خارجي؛ نابعة من قراءة وتعلّم وتراكم تجربة، لا من مدحٍ مؤقت أو ترويج صاخب مهما طبلوا له.
الخاتمة
إن المجتمعات التي تريد التقدم الحقيقي يجب أن تُعيد الاعتبار لصوت العقل فوق صوت الضجيج، وللفكر قبل المظهر، وللوعي قبل الترويج. فالزمن وحده هو أكثر النقّاد عدلًا، لا يجامل ولا يداهن؛ يسقط الزيف ولو صُفّق له كثيرًا، ويُعلي القيمة ولو حوربت في بدايتها. وحين يتحدث العقل يسكت الضجيج، لأن الحق لا يحتاج إلى ميكروفون ليُسمَع