بقلم ـ عبد المحسن محمد الحارثي
حرصتُ على جمع كلمات الشيخ سلطان بن سعد بن عنيزان الشبيبي الحارثي، ورصد عباراته بعناية فائقة، وتحليلها بأسلوب أدبي وفكري ؛ يبرز عمقها ودلالاتها.
لم يقتصر العمل على مجرد النقل، بل سعى إلى الكشف عن جوهر كل مقولة، عن البلاغة التي تنبض في كل كلمة، وعن الإيجاز الذي يجعل عباراته تضاهي مقولات الفلاسفة القدامى.
كل عبارة تفتح نافذة على فكر ثري وروح وطنية أصيلة، على شجاعة متأصلة وفكر رصين، لتكشف عن شيخ يسبك كلماته كما يسبك الفلاسفة مفاهيمهم: بحكمة وعمق وسحر لغوي يلامس القلوب قبل العقول .
إذا لم نَحْمِ وطننا ؛ فلن نستحقه
من أوائل مقولاته الفلسفية : «وطنٌ لا نحميه؛ لا نستحق العيش فيه»
هذه مقولة أكثر حدّة، تؤكد التزامًا فوريًا وعمليًا: إذا لم يكن هناك من يدافع عن الوطن ؛ فذلك الوطن ليس حقًا لنا.
هي دعوة للفعل، ليس مجرد شعور. لفتة شجاعة إلى الذهن:
أن العيش في وطن يتخلى عنه أبناؤه ليس فقط عطية، بل مسؤولية.
الوفاء والوطن:رؤية أخلاقية عميقة
من مقولاته : "الوطن لا يُحفظ إلا بالوفاء".
يرى أن حماية الوطن ليست بالقوة المادية وحدها، بل بالولاء المعنوي والوفاء للقيم.
هذه العبارة تلخص فلسفة أخلاقية: الوفاء ركيزة للكرامة والهوية.
لغويًا ؛ الإيجاز في العبارة يجعلها ذات وقع شعري مؤثر، وكأنها سطر فلسفي ينبض بالمسؤولية.
الحق والشجاعة: معيار القيادة
من مقولاتهِ أيضاً : “الشجاعة ليست في المواجهة وحدها، بل في معرفة الحق والتمسّك به مهما كان الثمن".
الشيخ يعيد تعريف الشجاعة: فهي ليست قوة جسدية، بل معرفة وحكمة.
فلسفيًا ؛ هذه المقولة تتقاطع مع أفلاطون، الذي ربط الشجاعة بالفضيلة والمعرفة، لا بالفعل الجسدي وحده.
الكلمة الحق: سلاح الفكر
من مقولاته كذلك : “الكلمة الحق أقوى من السيف.”
الكلمة الحق أداة تغيير تتجاوز السيوف، تؤثر في الضمائر وتزرع المبادئ.
هذه العبارة البلاغية تحمل تشبيهًا قويًا: الكلمة تسبق القوة، وتبني أكثر مما تهدم، وهو ما يميز فلسفة الشيخ سلطان في المنابر.
الوفاء والحق: بناء المنارات
من مقولاته الجوهريَّة :“من فقد الوفاء فقد أضاع أسمى مبادئ القيامة؛ ومن بنى وطنه على الحق ؛ فقد بنى منارًا لا تنطفئ أنواره".
الشيخ يربط بين الوفاء والحق والواجب الروحي.
المنار هنا ؛ استعارة قوية ترمز إلى البقاء الأخلاقي والروحي، وتحوّل القول إلى رؤية فلسفية شاملة.
النبل في النضال
ومن مقولاته الراسخة:“لا يكفي أن ننهض للأخذ بحقنا ؛ يجب أن ننهض ونحن نحمل في قلوبنا نبل الأخلاق".
الشيخ يوضح أن القوة يجب أن ترافقها الأخلاق.
فلسفيًا ؛ القوة بدون أخلاق تهدم، ومع الأخلاق تبني، ما يجعل النضال عملية متكاملة بين المبدأ والفعل.
بناء الأجيال بالعلم
من مقولاته المنطقيَّة : “من كان همه بناء الأجيال ؛ فَلْيُشْعل فيهم الشغف بالعلم، فإنما تنجو الأمم بعقولٍ مستنيرة، لا بسيوفٍ فقط".
رؤيته التربوية واضحة: النهضة الحقيقية تبدأ من العلم والمعرفة.
التركيب اللغوي هنا “شغف بالعلم..لا بسيوفٍ فقط” يعكس أولوية المعرفة على القوة المادية، ويضيف بُعْدًا فلسفيًا للأمة الواعية.
إرث فكري خالد
تظهر مقولات الشيخ سلطان بن سعد بن عنيزان الشبيبي الحارثي ؛ أنه ليس مجرد شيخ قبيلة، بل فيلسوف منبري وقائد فكري وأخلاقي.
كلماته موجزة لكنها عميقة، تحرك الضمير والفكر، وتعيد الكلمة إلى مكانتها كأداة تبني وتضيء.
إرثه يظل دعوة لكل من يؤمن بأن الشجاعة الأخلاقية، والوفاء، والعلم، والكلمة الحق هي أعمدة بناء المجتمعات القوية والصالحة.