النهار
بقلم - د. أماني عبدالوهاب
مع التحول المتسارع الذي تشهده المملكة العربية السعودية في إطار رؤية 2030، لم يعد مستقبل العقار محصورًا في الخرسانة وحدود الخرائط، بل امتد إلى عوالم افتراضية تقودها مفاهيم جديدة مثل العقار الرقمي وترميز الأصول العقارية (Tokenization) وابتكارات PropTech.
هذا التحول لم يعد تصورًا نظريًا، بل أصبح واقعًا تتابعه الجهات التنظيمية نفسها. فقد أكدت الهيئة العامة للعقار في تصريحات رسمية أن التقنيات العقارية باتت تُحدث تحولًا جذريًا في القطاع العقاري السعودي، مشيرة إلى دور مركز بروبتك السعودية (Saudi PropTech Hub) في توفير بيئة تنظيمية تجريبية للشركات الناشئة لاختبار حلول العقار الرقمي تحت إشراف قانوني.
كما أشار رئيس الهيئة، عبدالله بن سعود الحماد، إلى أن التحول الرقمي في القطاع العقاري لا يقتصر على تطوير السوق، بل يشمل تسريع إدخال نماذج الملكية الرقمية وتمكين المستثمرين الأفراد من المشاركة في أصول جديدة.
عقار بلا أرض… لكن بقيمة مالية كاملة
العقار الرقمي، على اختلاف نماذجه، يمثل ملكية مسجلة عبر تقنية البلوك تشين من خلال رموز فريدة (NFT)، يمكن بيعها وشراؤها وتداولها وتحقيق دخل منها. وبذلك يصبح "العقار" ليس مبنى أو قطعة أرض، بل أصل رقمي يحمل خصائص المال من حيث الندرة وإمكانية الحيازة وقابلية الانتفاع.
في الفقه القانوني السعودي، تصنّف الأموال إلى مادية ومعنوية، ويقع العقار الرقمي ضمن فئة المال المعنوي القابل للتموّل، ما يجعله أصلًا يدخل في الذمة المالية ويخضع للحماية القانونية كحق. فهذا الطابع المالي يجعله قريبًا من مفهوم الصكوك العقارية المرمّزة التي بدأت المملكة بالفعل في تطوير أطرها التنظيمية لفتح المجال أمام فئات جديدة من المستثمرين .
المنطقة الضبابية: الضرائب والرسوم
القواعد الحالية، مثل ضريبة التصرفات العقارية أو أنظمة الزكاة والضريبة، صُمّمت للعقار التقليدي؛ لكن مع توسع مفهوم الأصول الرقمية، يصبح السؤال مطروحًا بقوة: هل يخضع العقار الرقمي للجباية؟
وبتحليل الاتجاهات تشير إلى أن العقار الرقمي قد يُعامل ضمن فئة الأصول الرقمية Digital Assets، وهو اتجاه تدفع نحوه السياسات المالية العالمية، ما قد يفتح الباب أمام: فرض ضريبة على مكاسب بيع الأصل الرقمي، وضريبة على قيمة مضافة عند تقديم خدمات مرتبطة، ورسوم تنظيمية خاصة عند ترميز عقار واقعي إلى رموز استثمارية.
ويؤكد هذا ما أشار إليه رئيس الهيئة العامة للعقار خلال افتتاح القمة العالمية للبروبتك، حيث أشار إلى أن المملكة تعمل على وضع أطر تنظيمية تدعم الابتكار وتحمي المستثمرين في الوقت نفسه .
الملكية الرقمية والتركة.. حق لا يسقط بوفاة صاحبه
التركة تشمل الأموال المادية والمعنوية، ما يجعل العقار الرقمي جزءًا من الإرث. والتحدي يكمن في الوصول إلى المحفظة الرقمية الخاصة بالمتوفى وإثبات ملكيتها أمام القضاء. وهذا يفتح بابًا جديدًا أمام المحاكم: هل يمكن إلزام منصة دولية بالكشف عن حساب مستخدم متوفى؟ هذه القضية من المرجح أن تكون من أول النزاعات القانونية التي ستظهر في المستقبل.
النزاع على عقار بلا موقع، رؤية قانونية جديدة
المحاكم السعودية لن تبحث عند هذا النوع من القضايا عن "مبنى" أو "حدود"، بل ستتعامل مع رمز رقمي مثبت على البلوك تشين، ما يضع النزاع ضمن نطاق المنازعات التجارية والرقمية. وعناصر الإثبات تشمل: صحة التعاقد الإلكتروني، وثبوت ملكية الرمز (NFT)، ومشروعية المنصة، وكذلك سلامة حركة النقل والتحويل. وقد يكون التحكيم الرقمي الأنسب لفض هذه المنازعات العابرة للحدود
الاحتيال الرقمي الوجه الآخر للسوق الجديدة
إن بيع أرض رقمية أو أصل رقمي غير مسجل يمثل احتيالًا رقميًا مكتمل الأركان، ويخضع للجرائم المعلوماتية، بما في ذلك السجن، والغرامة، ومصادرة الأموال الناتجة عن الاحتيال، والمنع من مزاولة النشاط العقاري أو الرقمي.
نحو نظام سعودي جديد للعقار الرقمي؟
الواقع يشير إلى مرحلة انتقالية في السوق: من الصك الورقي إلى الرمز الرقمي، ومن الملكية الجغرافية إلى الملكية الافتراضية، ومن الخرسانة إلى الكود. هذا التحول يفرض بناء إطار تشريعي جديد يستوعب: أشكال الملكية الرقمية، وقواعد الإثبات، ونظم التسجيل، وحماية المستثمرين، والضوابط الضريبية والتنظيمية.
إن المملكة العربية السعودية تُعيد تعريف مستقبل العقار من الخرسانة إلى الكود، ومن الصك الورقي إلى الرمز الرقمي، ومن الحدود الجغرافية إلى آفاق بلا حدود، لكن الإقلاع نحو هذا المستقبل لن يكتمل إلا بقانون قادر على استيعاب "ملكيات لا تقع تحت يد، بل تحت مفتاح". والمستثمرون ينتظرون هذا القانون.. قبل أن يشتروا أول حجر “افتراضي” في مدينة لا تنام.
عن الكاتبة: مستشارة قانونية معنية بتحليل البعد التشريعي للتنمية في قضايا الاستثمار والأنظمة السعودية