النهار
بقلم - حمد حسن التميمي
في عالم لا يتوقف عن الركض، نعيش تحت ضغط مستمر لننجز أكثر، نلحق بالمواعيد، وننهي المهام المتراكمة. نفتح أعيننا على قائمة طويلة من "يجب أن أفعل"، ونغلقها على شعور بالتقصير. وبين هذا وذاك، ننسى أن المشكلة ليست في قلة الوقت، بل في كيفية استخدامه.
هنا تبرز قاعدة بسيطة لكنها فعالة، تُدعى "البومودورو". لا تحتاج إلى تطبيقات معقدة، ولا إلى جداول ضخمة. كل ما تحتاجه هو مؤقت، وقرار بأن تمنح نفسك فرصة للعمل بتركيز، لا بتشتت. البومودورو، التي تعني "الطماطم" بالإيطالية، سُميت على اسم مؤقت المطبخ الشهير، لكنها اليوم أصبحت رمزًا لطريقة ذكية لإدارة الوقت.
تعتمد القاعدة على تقسيم وقت العمل إلى فترات قصيرة تدعى "بومودورو"، كل منها مدته 25 دقيقة من العمل المركز، تليها 5 دقائق من الراحة. بعد أربع بومودوروهات، تأخذ استراحة أطول من 15 إلى 30 دقيقة. الفكرة بسيطة، لكن تأثيرها عميق: حين تعرف أن لديك 25 دقيقة فقط، تركز، تتجاهل المشتتات، وتدخل في حالة من التدفق الذهني.
ابدأ الآن. اختر مهمة واحدة فقط. اضبط المؤقت على 25 دقيقة وابدأ. لا ترد على إشعارات، لا تفتح تبويبات جديدة، لا تشتت نفسك. فقط أنت والمهمة. حين ينتهي الوقت، خذ استراحة قصيرة. انهض، تمشى، اشرب ماء، تنفس. ثم عد من جديد. ستُدهش من كمية الإنجاز التي يمكن أن تحققها في جلسة واحدة مركزة.
ومع الوقت، ستلاحظ أن إنتاجيتك ارتفعت، وأن شعورك بالإرهاق قل. ستتوقف عن العمل لساعات طويلة دون فائدة، وستبدأ في العمل بذكاء. ستصبح أكثر وعيًا بقدرتك على الإنجاز، وأكثر احترامًا لوقتك. ستدرك أن الإنجاز لا يأتي من الضغط، بل من التوازن بين الجهد والراحة.
ومع هذا التحول، ستتغير علاقتك بالوقت نفسه. لن يعود عدوًا يطاردك، بل شريكًا يساعدك. ستبدأ في رؤية يومك كمجموعة من اللحظات المركزة، لا ككتلة واحدة من الفوضى. وربما بعد أسابيع من الالتزام، ستجد نفسك تنجز أكثر في وقت أقل، وتعيش براحة أكبر، وتمنح نفسك المساحة التي تستحقها.
في النهاية، قاعدة البومودورو ليست مجرد تقنية، بل فلسفة. هي تذكير بأنك لست آلة، وأن التركيز لا يُقاس بعدد الساعات، بل بجودتها. هي دعوة لأن تعمل بوعي، أن ترتاح دون ذنب، وأن تمنح نفسك فرصة لتكون حاضرًا، لا فقط مشغولًا. لأن الحياة ليست في عدد المهام التي تنجزها، بل في الطريقة التي تعيش بها كل لحظة منها.