النهار

١٧ نوفمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٧ نوفمبر-٢٠٢٥       15180

بقلم - د. غالب محمد طه

هل كان المؤتمر مجرد تجمع علمي آخر بلا أثر مباشر في حياتنا؟ سؤال ظل يتردد في ذهني وأنا أستمع إلى زوجتي - أم محمد، أخصائية طب الأسرة - وهي تروي تفاصيل مشاركتها في المؤتمر الأول لطب الأسرة في حفر الباطن. حديثها عن التنظيم، الأوراق العلمية، وتفاعل الحضور، بدا مألوفًا في شكله، لكنه حمل شيئًا مختلفًا في روحه.

وكان ما نقلته لي زوجتي من حماس وجدية بمثابة جسر لفهم ما أكده رئيس المؤتمر، الدكتور عمر المحيميد، في كلمته التي فتحت بابًا لفهم أعمق للدور الاستراتيجي لطبيب الأسرة. حين قال إن طب الأسرة هو المحور الأساسي للرعاية الصحية، لم يكن يردد شعارًا، بل يؤكد التحول العميق في فلسفة الطب السعودي: من علاج متأخر إلى وقاية مستدامة، ومن علاقة عابرة إلى شراكة يومية بين الطبيب والأسرة.

المؤتمر، الذي أقيم يومي 14 و15 نوفمبر الجاري، ونظمه تجمع حفر الباطن الصحي ممثلًا بإدارة الصحة العامة وصحة المجتمع، بالشراكة مع جمعية بسمة معافى الصحية، لم يكن فعالية محلية فحسب، بل خطوة ضمن مستهدفات برنامج التحول الوطني 2025 ورؤية المملكة 2030. وقد شهد حضورًا واسعًا من المختصين والمهتمين، وتضمن جلسات علمية تناولت التحول الصحي، الصحة النفسية، الابتكار، وأفضل الممارسات في مجال طب الأسرة.

وفي محافظة تخدم أكثر من 617 ألف مستفيد عبر 39 مركزًا للرعاية الأولية و7 مستشفيات بسعة تصل إلى 1000 سرير، يظهر دور طبيب الأسرة كقوة فعلية تحول هذه الأرقام إلى حياة أفضل لكل فرد. فهو البوابة الإنسانية التي تجعل من الخدمات الصحية تجربة حقيقية تحمي المجتمع، وتضمن الوقاية قبل العلاج، وتزيد إنتاجية كل أسرة، بما يعكس الدور الحيوي لهذا التخصص في حياة الناس اليومية.

الوقاية هنا ليست شعارًا نظريًا، بل ممارسة عملية تحفظ صحة الفرد، تقلل من الإنفاق على العلاج، وتزيد إنتاجية المجتمع. وطبيب الأسرة، حين يمارس دوره الحقيقي، يتحول من موظف في منشأة صحية إلى ركيزة اجتماعية وإنسانية، تعيد للطب معناه الأصيل، وتحوّله من مجرد خدمة إلى رسالة إنسانية يومية.

ما شدني في حديث زوجتي لم يكن الحماس فحسب، بل طريقة تفكيرها حول دور طبيب الأسرة: كيف يصبح شريكًا حقيقيًا في حياة الأسرة اليومية، يواكب صحتها، ويوجه الوقاية، ويحوّل الطب من مجرد تقديم خدمة إلى رسالة إنسانية تؤثر في المجتمع. وهذا ما أكدت عليه وزارة الصحة السعودية، حيث يُعرف طب الأسرة بأنه اختصاص يعنى بالصحة البدنية والنفسية والاجتماعية لكل أفراد المجتمع، ويقدّم خدمات وقائية وعلاجية، ويشكل الركيزة الأساسية للرعاية الصحية الأولية من خلال علاقة مستمرة مع الأفراد والأسر من جميع الأعمار.

لقد أصبح المؤتمر محطة لإعادة النظر في دور الطبيب ومكانة الإنسان في قلب الرعاية الصحية. وحفر الباطن، بهذا المؤتمر، لم تؤكد مكانتها المحلية فحسب، بل وضعت لبنة في مشروع وطني عنوانه الأصدق: الإنسان أولًا.

ويُسجل لتجمع حفر الباطن الصحي، ممثلًا بإدارتي الصحة العامة وصحة المجتمع، جهودًا متميزة في تنظيم المؤتمر بالشراكة مع جمعية بسمة معافى الصحية، ما جعل منه حدثًا محوريًا يجمع الخبرات ويعزز التواصل بين الأطباء والخبراء، ويحفز المشاركين على تطوير ممارساتهم اليومية بما يخدم المجتمع، ويؤكد مكانة طب الأسرة كركيزة أساسية للرعاية الصحية، ويجسد التزام الجهات المحلية بدعم برامج الصحة الوقائية على أرض الواقع.