النهار

١٦ نوفمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٦ نوفمبر-٢٠٢٥       10450

بقلم - جمعان الكرت 

تستوقفني القصيدة الشعبية المغايرة للنمط العام؛ تلك القصيدة التي تهزّك من الداخل، وتجد نفسك تتفاعل مع أبياتها وتقول بعفوية: يا سلاااام هنا يتجلّى الشاعر الذي تمكن بصفائه وذائقته الشعرية من ملامسة المشاعر وتركَ أثرًا جميلًا في نفس المتلقي.
ولهذا نرى التباين بين الشعراء الشعبيين؛ فبعضهم يجهد نفسه في الشَّقْر حرصًا على إتمامه، حتى لو اضطر إلى ليّ عنق الكلمة كي تتماشى مع السياق، دون أن يعطي الشقر حقه البلاغي والجمالي — سواء كان تامًا أم ناقصًا — فيكتفي بمجرد دوزنة اللفظ ليبدو متشابهًا من الخارج، خاليًا من العمق من الداخل. وهذا ما يجعل القصيدة تُنسى لحظة أن ينفض الجمع من ساحة الميدان.
والقصيدة الشعبية الحقيقية لا تقوم على الشقر وحده، بل على جناحين أساسيين:
    1.    وحدة الموضوع والتسلسل المنطقي:
القصيدة المتماسكة هي التي إذا أزحتَ منها محرافًا واحدًا اختلّ نَسَقُها بأكمله؛ فالبيت جزء من بناء محكم، لا زخرفة عابرة.
    2.    الجناس وتوظيفه الإبداعي:
ليس بوصفه ترفًا لفظيًا، بل عنصرًا موسيقيًا ومعنويًا يعمّق الصورة، ويقوّي الإيقاع، ويمنح القصيدة بُعدًا فنيًا أصيلًا.
ولست هنا بصدد التحليل الشامل لما هو مطروح في الساحة الشعبية، فذلك شأن المختصين والباحثين والهواة الذين شغفوا بهذا الفن.

لكني فقط أودّ أن يلتفت الشاعر إلى هذه الجوانب، ليترك أثرًا شعريًا يبقى محفوظًا في الذاكرة، مردّدًا على الألسن، بدل أن يذوب في زحام القصائد العابرة.
وإذا استعرضنا قصائد الشعراء الشعبيين منذ عهد الراحلين ابن ثامرة وعبدالله الزرقوي وغيرهما، سنجد نصوصًا مرّ عليها أكثر من مئة عام، ومع ذلك لا تزال تتردد في المجالس والساحات والمنتديات. لماذا؟
لأن القصيدة خلّدت نفسها، وأثبتت جمالها رغم تعاقب السنين وتغيّر الذائقة.
وامتدادًا لهذا الجمال، نلحظ اليوم شعراء استطاعوا أن يمسكوا بناصية الإبداع وراية الجمال معًا، مواصلين نهج أسلافهم، مدركين أن ما يُكتب بصدق يبقى، وما يُقال تكلّفًا يزول.
والحديث في هذا الجانب يطول ويستطيل، غير أني أترككم مع هذه القصيدة للشاعر البروف عبدالواحد سعود الزهراني التي تستحق الإشادة، وتحمل من الجمال ما يجعلها جديرة بأن تُروى وتُحفظ…
عندما يتعانق الغيم والبارود
‏والتقى صوت المقاميع والرعود
‏كن سطح الأرض ما تنبت إلا بندق
‏والسماء ما تمطر إلا عماريه..

لنا عودة بمشيئة الله حول جماليات الشعر الشعبي..