النهار
بقلم- عبدالله الكناني
اللحظة الأولى بعد الاستيقاظ تحمل في طيّاتها سرًّا خفيًّا لتشكيل مسار اليوم بأكمله.
ما بين الهدوء والارتباك، يتحدد المزاج العام الذي يرافق الإنسان حتى المساء.
لذلك فإن أول دقيقة من الصباح ليست تفصيلًا عابرًا، بل هي لحظة تستحق أن تُمنَح وعيًا كاملًا ونية صافية.
كثيرون يبدأون يومهم على عَجَل، يمدّون أيديهم إلى هواتفهم قبل أن يمدّوا أنفاسهم إلى الصباح، فيستقبلون ضجيج العالم قبل أن يسمعوا نبضهم الداخلي.
رسائل العمل، إشعارات الأخبار، والجداول المزدحمة تقتحم الذهن قبل أن يستقرّ القلب.
ضجيج الثورة التكنولوجية نقش وغيّر كثيرًا من عاداتنا وسلوكيات حياتنا، حتى أصبح الصباح امتدادًا للشاشة لا للضوء.
ومع مرور الوقت، يتحوّل الإنسان إلى ردّ فعل مستمر، يعيش على إيقاع الآخرين دون أن يملك زمام يومه.
في المقابل، هناك من يختار أن يبدأ صباحه بسؤال بسيط: كيف أريد أن أعيش هذا اليوم؟
سؤال صغير في لفظه، عميق في معناه، لأنه يعيد الإنسان إلى مركزه الداخلي، ويمنحه سلطة الوعي بدل التشتّت.
تلك النية الواضحة في اللحظة الأولى تُشبه البوصلة التي يضبط بها الربّان اتجاه السفينة قبل الإبحار، فلا يتيه وسط الأمواج مهما اشتدت.
حين تُحدّد نيتك صباحًا، فأنت لا تغيّر الأحداث، بل تغيّر طريقة قراءتك لها.
تحدّد أن يكون يومك أكثر سكينة أو إنتاجًا أو امتنانًا، فتتحوّل التفاصيل العادية إلى مواقف ذات معنى.
فالزحام يصبح تدريبًا على الصبر، والتحدي يتحوّل إلى فرصة لاختبار قوتك.
إنها *قوّة الوعي قبل الفعل*، تلك التي تمنحك قيادةً داخلية لا تهتزّ أمام تقلبات الخارج.
ويؤكد علم النفس الحديث أن اللحظات الهادئة من التأمل الصباحي تُفعّل مناطق الهدوء والتركيز في الدماغ، وتُفرز هرمونات تساعد على تحسين المزاج وتخفيف التوتر.
دقيقة واحدة من النية الواعية كفيلة بأن تُعيد ترتيب فوضى اليوم وتزرع فيك توازنًا يستمر حتى المساء.
البداية الهادئة لا تعني الكسل، بل تعني الحضور.
حين تبدأ يومك بنيةٍ واعية، فأنت تقول للحياة: أنا من يختار اتجاه هذا اليوم.
ذلك الاختيار الصغير في الصباح هو ما يصنع الفرق بين يومٍ يجرّك، ويومٍ تسير فيه بخطى واثقة نحو أهدافك وسلامك الداخلي.
فوضوح النية ليس رفاهية فكرية، بل مهارة حياة.
وحين تعيش كل يومٍ بنية محددة، تكتشف أن السعادة ليست وعدًا مؤجَّلًا، بل ممارسة يومية تبدأ من لحظة الوعي الأولى.