النهار

٠٩ نوفمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٩ نوفمبر-٢٠٢٥       13035

بقلم - عبدالمحسن محمد الحارثي 

تناقص المواليد في المملكة العربية السعودية لم يعد مجرّد رقم في إحصاءات السكان، بل تحوّل إلى قضية تمسّ عمق التنمية واستدامة الهوية. 
فالأرقام الحديثة تشير إلى أن معدل الخصوبة انخفض إلى نحو 2.28 طفل لكل امرأة عام 2023، بعدما كان في ستينيات القرن الماضي يتجاوز سبعة أطفال. 
أما معدل المواليد الخام فقد بلغ 16.4 لكل ألف نسمة مقابل 2.3 وفاة، وهي أرقام تُظهر اتجاهاً واضحاً نحو التراجع في النمو الطبيعي للمجتمع السعودي. 
وكما قال ابن خلدون: «الناس أساس العمران، والعمران بقدر الكثرة والقوة".

هذا التراجع لا يرتبط بعامل واحد، بل هو نتيجة تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة. 
فغلاء إيجارات الشقق وارتفاع تكلفة المعيشة أوجدا هاجساً مزمناً لدى كثير من الشباب الذين يجدون صعوبة في «فتح بيت» وفق المعطيات الحالية. 
وفي المقابل ؛ انصرفت بعض النساء عن التفكير في الزواج أو أجّلنه سعياً للاستقلال المهني أو خوفاً من مسؤوليات لا يقابلها استقرار مادي.

هكذا ؛ تتقلص الرغبة في تكوين الأسر، ويتحوّل الإنجاب من قيمة اجتماعية إلى قرار مثقل بالقلق. 
وكما قال طه حسين: «التنمية تبدأ من الإنسان وتنتهي إليه".

انعكاسات هذا الواقع تمتدّ إلى عمق الهوية الوطنية. 
فحين تتقلص الأسر ؛ تضيق معها دوائر الانتماء، ويزداد المجتمع فردية وبرودة في تواصله الإنساني. 
فالأمة التي يضعف تواصل أجيالها تفقد شيئاً من روحها. 
وكما قال المفكر الفرنسي أندريه مالرو: «لا بقاء لأمة لا تعرف أن تُنجب ذاتها من جديد".

الحلول لا تكمن في الأرقام فقط، بل في إعادة بناء الثقة بين الشباب والحياة الأسرية. 
على السياسات الإسكانية أن تُيسّر امتلاك المسكن لا أن تجعله حلماً بعيداً، وعلى المؤسسات أن تبتكر برامج دعم حقيقية للأسر الشابة، فيما يجب أن تُعاد صياغة بيئة العمل لتوازن بين متطلبات المهنة ودور المرأة الأسري. 
كما أن الثقافة المجتمعية بحاجة إلى تجديد يكرّس قيمة الأسرة بوصفها استثماراً وطنياً لا عبئاً شخصياً. 
فكما قال المفكر الألماني غوته: «من لا يزرع أبناءه في أرضه، سيحصد غريباً في بيته".

إن رؤية المملكة 2030، وهي تبني اقتصاداً حيوياً ومجتمعاً مزدهراً ؛ تحتاج إلى جيلٍ ينمو بعددٍ كافٍ يملأ المستقبل طاقةً وانتماءً. 
فالتنمية التي لا تُنجب إنسانها ؛ تُنجب نقصها، كما قال كوفي عنان: «التنمية لا تُورّث، بل تُنجب".

التحذير اليوم ليس من قلة العدد فقط، بل من ضعف الإيمان بأن الأسرة هي نواة الاستقرار. 
فالأوطان تُقاس بعدد الأجيال التي تحمل رايتها. 
وإذا كان الاقتصاد يُبنى بالأرقام ؛ فإن الهوية تُبنى بالأبناء. 
وكما قيل: «من أراد مستقبلاً مزدهراً، فليبنه في أحضان أسر مطمئنة". 

إن  تناقص المواليد  رسالة صامتة ينبغي أن تُسمع قبل فوات الأوان ، فكل طفل يولد في هذا الوطن ليس رقماً في السجل المدني، بل إضافة في معادلة البقاء، واستثمار في مستقبل المملكة.
ولمواجهة هذا التناقص ؛ تقع على الحكومة مسؤولية صياغة حزمة حلول عملية تُعيد الثقة بفكرة الأسرة والاستقرار.