النهار
بقلم - حذامي محجوب
في قلب باريس ، حيث تتقاطع الجماليات مع الذاكرة ، يعيش متحف اللوفر، أعرق متاحف الأرض وأكثرها زيارة ، على وقع صدمة جديدة : سرقة مجوهرات ملكية نادرة في واقعة وُصفت بالاستثنائية ، لكنها ليست غريبة عن تاريخ هذا الصرح الذي لطالما كان شاهدا على مفارقة مؤلمة… أن تُسرق التحف من بيتها ، وأن تُنهب الذاكرة من أكثر أمكنة الوعي الإنساني حراسة .
منذ أكثر من قرن، يتكرّر المشهد ذاته بأقنعة مختلفة .
ففي 21 أغسطس 1911، استفاق العالم على غياب الموناليزا، اللوحة التي تختصر أسرار الابتسامة الإنسانية .
كان السارق، الإيطالي فينتشنزو بيروجيا، عاملا بسيطا في المتحف، استخدم دهاءه ليقتلع اللوحة من جدارها ويخفيها لعامين كاملين . وعندما اعتُقل في فلورنسا ، برّر فعلته بأنها " استعادة للكرامة الوطنية الإيطالية " ، متناسيا أن الملك فرانسوا الأول اقتناها قانونا من ليوناردو دافنشي في القرن السادس عشر.
لكن اللوفر كان قد عرف السرقة قبل ذلك .
ففي عام 1907، أقدم البلجيكي جيري بييريه، سكرتير الشاعر غيّوم أبولينير، على سرقة قطع أثرية صغيرة الحجم ، باع بعضها لصديقه الفنان بابلو بيكاسو. تحوّل الأمر إلى فضيحة ثقافية مدوّية كشفت هشاشة الحماية الامنية في أقدم و اشهر متحف في العالم ، وأحرجت النخبة الفنية الفرنسية التي وجدت نفسها بين عبقرية الإبداع وسذاجة الحراسة.
ثم جاءت حوادث أخرى لتؤكد أن الفن، مهما تسامى، يظل مطمعاً للجنون الإنساني . ففي عام 1939، اختفت لوحة اللامبالي للفنان أنطوان واتو على يد فنان روسي مسكون بالجمال ، لم يحتمل ثقل ذنبه فأعادها لاحقاً طوعا .
وبعد نصف قرن، في سنة 1998، تكرّر المشهد مع لوحة طريق سيفر للفنان كامي كورّو، التي تبخّرت كأنها شبح جمالي، ولم يُعثر عليها إلى اليوم رغم التحقيقات الدقيقة .
دفعت هذه الحوادث إدارة اللوفر إلى مراجعة جذرية لأنظمة المراقبة ، فتم تحديث الكاميرات وإطلاق رقمنة شاملة للجرد الفني، خصوصا في أقسام الآثار الشرقية والفنون التصويرية الأكثر عرضة للاختفاء .
ومع ذلك، فإن سرقة أكتوبر 2025 الأخيرة تُعيد السؤال من جديد : هل يمكن لأي تكنولوجيا أن تحرس الذاكرة من طمع الإنسان؟.
ليست السرقة مجرد حادثة أمنية، بل جرح رمزي عميق في جسد الحضارة. فكل قطعة تُسرق من متحف، إنما يُنتزع معها جزء من ذاكرة البشرية.
ما حدث في اللوفر إنذار للعالم بأن حماية التراث لا يمكن أن تبقى مجرّد إجراء تقني، بل يجب أن تتحوّل إلى قضية أخلاقية وثقافية وإنسانية شاملة.
ذلك أن الذاكرة الإنسانية، حين تُهمل أو تُباع أو تُنهب ، لا تفقد فقط ماضيها، بل تُهدّد مستقبلها أيضاً.
واللوفر، الذي يحتضن وجوه التاريخ، يبدو اليوم كمن يطلّ على العالم بملامح الموناليزا ذاتها : يبتسم… لكنه يخفي في أعماقه خوفا كبيرا من أن تضيع الذاكرة بين أيدي اللصوص.