بقلم - د .احلام عبدالله العتيبي
يُعد الشيخ محمد بن إبراهيم الخضير (رحمه الله) من الشخصيات الوطنية البارزة التي تركت أثرًا عميقًا في مسيرة التعليم والعمل الخيري بالمملكة العربية السعودية، حيث امتدت إنجازاته لأكثر من سبعين عامًا شكل خلالها نموذجًا في الطموح والعطاء والبذل في سبيل الوطن والمجتمع.
نشأة مبكرة ومسيرة تعليمية حافلة
وُلد الشيخ محمد الخضير في مدينة الخبراء عام 1344هـ، ونشأ في قرية النفيد وسط بيئة زراعية غرست فيه حب العمل والإنجاز منذ الصغر. تلقى تعليمه الأولي في الكتاتيب على يد الشيخ ناصر الصالح النويصر، فتعلم القرآن الكريم والقراءة والكتابة، ثم واصل دراسته حتى المرحلة الثانوية، وتلقى تدريبًا إداريًا في شركة أرامكو ومعهد الإدارة العامة.
من الميدان الزراعي إلى أروقة التعليم
بدأ حياته العملية في الخرج، ثم التحق بشركة أرامكو في الظهران، حيث لمس انتشار الأمية بين العاملين، فحوّل غرفته إلى فصل دراسي لتعليم العمال القراءة والكتابة مجانًا، ليصبح لاحقًا معلمًا للغة الإنجليزية في مدارس الشركة.
ومن إيمانه بأهمية التعليم، أسس في الخرج مدرستين ابتدائيتين على نفقة مشروع الخرج الزراعي، كما أنشأ مدرسة النور لمكافحة الأمية، التي استقطبت أكثر من 1500 طالب، بالإضافة إلى مكتبة النور التي ساهمت في نشر الثقافة بين أبناء المجتمع.
تأسيس مؤسسات تعليمية وطنية
في عام 1378هـ انتقل إلى الرياض، حيث عمل في مناصب متعددة منها المالية الخاصة الملكية والضمان الاجتماعي وجامعة الرياض (الملك سعود حاليًا).
وفي العام نفسه، أطلق مشروعه التعليمي الأبرز بتأسيس مدارس التربية النموذجية، التي بدأت بـ24 طالبًا فقط، لتصبح اليوم من أكبر المؤسسات التعليمية الأهلية في المملكة، تضم أكثر من 35 ألف طالب وطالبة، وتحوّلت لاحقًا إلى الشركة الوطنية للتربية والتعليم (شركة مساهمة عامة).
ريادة في الاستثمار والبناء
لم تتوقف إنجازاته عند التعليم، بل أسس الشيخ الخضير شركة أجا للمقاولات التي قامت ببناء أكثر من 300 مدرسة وكلية لصالح وزارة التعليم، ثم شركة عاج للاستثمار العقاري التي تعمل في تطوير المشاريع التعليمية والسياحية والعقارية داخل المملكة.
عطاء إنساني وخيري متواصل
كرّس الشيخ محمد الخضير جزءًا كبيرًا من جهوده لخدمة المجتمع عبر أوقاف محمد إبراهيم الخضير، التي تجاوزت تبرعاتها 200 مليون ريال في مشاريع تنموية وتعليمية.
وشملت هذه المشاريع إنشاء 15 مجمعًا تعليميًا و3 مراكز ثقافية، إلى جانب دعم مراكز الموهبة، وتدريب المعلمين، ومساندة مبادرات مجتمعية عديدة، منها دعم مركز التوحد شمال الرياض ومبادرة تدريب 30 ألف معلم ومعلمة في السلامة المدرسية بالتعاون مع منصة “أعناب”.
اهتمام بالتراث والهوية الوطنية
ومن مبادراته المميزة في مجال الحفاظ على التراث الوطني، مشروع إعادة تأهيل بلدة النفيد التراثية برياض الخبراء، بالتعاون مع هيئة التراث، حيث تم ترميم أكثر من 60 مبنى تراثيًا لإحياء ذاكرة المكان والحفاظ على هويته الثقافية.
إرث خالد وعطاء مستمر
توفي الشيخ محمد بن إبراهيم الخضير في عام 2023م بعد حياة حافلة بالعطاء والإنجاز، ولا تزال أعماله الخيرية والتعليمية مستمرة عبر أوقافه المباركة التي يشرف عليها أبناؤه، لتبقى سيرته مثالاً يُحتذى في حب الوطن وخدمة المجتمع والإيمان برسالة التعليم.
“رحم الله الشيخ محمد الخضير، فقد ترك بصمة خالدة في مسيرة التعليم والعمل الخيري في المملكة.