النهار

١٣ اكتوبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ اكتوبر-٢٠٢٥       14300

بقلم - د . أحمد بن سعد بن غرم الغامدي

إن المجاملات هي خيوط خفية من النسيج الاجتماعي الذي يربط القلوب بعضها ببعض، وهي كالزيت الذي يسهل دوران عجلة العلاقات بين الناس، فإذا انتفت أصبح الاحتكاك بين النفوس صعباً، وإذا أُفرط فيها ضاعت الموازين وأصابت النفوس بالإجهاد وفقدت صدقها، وبالتعمق والتأمل في مراد الله من حسن التعامل، نجد أن الجمال في القول والفعل محمود وهو مما يحبه الله ويرضاه، غير أنه يجب التمييز بين المجاملة وما يشبهها من المداراة والمداهنة والمدح والإطراء، وذلك بالنظر في أقسامها وأحكامها، وتدبر آثارها على الفرد والمجتمع.

وحقيقة المجاملة مأخوذة من “الجَمَال”، أي تحسين القول والفعل وإظهار الطيب في الخلق، وهي فن راقٍ يتجلى في استخدام الكلمات والأفعال اللطيفة، بغرض إدخال السرور على القلوب وتليين الجانب، مع مراعاة العرف والذوق العام، بحيث تُحفظ المودة ويُقوى الألفة.

غير أن الناس يخلطون أحياناً بين المجاملة والمداراة والمداهنة والمدح والإطراء، فلكل منها دلالته الخاصة ومراده المحدد. 
فالمجاملة هي السلوك الإيجابي الذي يهدف إلى التودد وإظهار الاحترام، غالباً في الأمور الظاهرية والعادات الاجتماعية، وهي تعكس حسن النية وتهذيب النفس.

أما المداراة فهي درجة أرفع من المجاملة، فهي حكمة تتعلق بكف الأذى عن الناس بالصبر، والاحتياط من الإساءة، مع الحفاظ على السلامة ودرء المفاسد، وهي تعبير عن حكمة الإنسان وقدرته على ضبط النفس وتجنب الفتن.

أما المداهنة فهي السلوك المذموم، حيث يبالغ الإنسان في إظهار الموافقة على الباطل أو السكوت عن الحق خوفاً أو طمعاً، وهذا يضيع الحقوق ويقوّض المبادئ، ويكون سبباً في فساد النفس والمجتمع معاً.

والمدح هو إظهار الصفات الحميدة للآخرين على حقيقتها، وهو يختلف عن المجاملة في أنه يعتمد على الصدق والواقع، ولا يشيد بما هو غير موجود، بل يثني على ما يستحق الثناء، والحكم فيه مستحب ومرغوب فيه، فهو يزرع المحبة ويقوي الصدق بين الناس.

أما الإطراء فهو إظهار الإعجاب، سواءً بالقول أو الفعل، وقد يكون صادقاً أو مبالغاً فيه، والحكم يعتمد على صدقه وعدم مخالفة الشرع؛ فالإطراء الصادق محمود، أما الكاذب أو المبالغ فيه فهو مذموم.

ويمكننا النظر إلى المجاملات من حيث الحكم الشرعي والاجتماعي من خلال ثلاثة أقسام: المجاملة المحمودة، وهي التي يقصد بها إدخال السرور على النفوس، وتقوية الروابط، وكسب القلوب ، دون كذب أو ضرر أو تنازل عن المبادئ، وهذه المجاملة مستحبة لما فيها من تهذيب للأخلاق وفتح للقلوب ونشر للود والاحترام.

أما المجاملة المذمومة فهي التي تتضمن الكذب أو التزلف بالباطل أو ضياع الحق، وهذه محرمة لأنها تضيع الحقوق وتقوّض المبادئ وتجعل الإنسان بعيداً عن الصدق والنزاهة.

وأخيراً المجاملة الجائزة، هي التي تقع في منطقة محايدة، لا تُعد محمودة ولا مذمومة، مثل بعض العادات الاجتماعية التي لا تضر ولا تنفع بشكل مباشر.

وفوائد المجاملات الإيجابية كثيرة، فهي تقوي الروابط الاجتماعية وتُهيّئ أجواءً من السعادة والطمأنينة، وتكسب القلوب وتزيد الانتماء، وتلين النفوس في المواقف الحادة، وتزرع المودة بين الناس، وهي أداة فاعلة في تهذيب الأخلاق وتحقيق الأمن النفسي والاجتماعي. أما الإفراط فيها أو الكذب فيها فيؤدي إلى أضرار كبيرة، منها فقدان المصداقية، وضياع الهوية الشخصية، وتراكم المشاكل، ونشر النفاق الاجتماعي، والإضرار بالصحة النفسية نتيجة التناقض بين الداخل والخارج والضغط النفسي المستمر.

إن المجاملة كالملح في الطعام، قليلها يزيده لذة ، وكثيرها يفسده، وهي فنٌّ رفيع يحتاج إلى حكمة ووعي وصدق. فلتكن مجاملاتنا صادقة، نابعة من القلب، تحفظ الحقوق، ولا تضيع المبادئ، فتكون وسيلة لتعميق المحبة والود وتعمير القلوب والمجتمعات لا لهدمها، وبهذا تتحقق غاية الأخلاق السامية والرفق بالناس، ويدخل السرور على النفوس، ويصلح حال الأفراد والمجتمع وهذا هو المراد .