الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٥ سبتمبر-٢٠٢٥       16170

بقلم - أ. حذامي محجوب

اجتماع نيويورك مع القادة العرب الذي دعا إليه دونالد ترامب، لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، بل شكّل لحظة سياسية فارقة كشفت أن الحرب على غزة لم تعد شأنًا إسرائيليًا داخليًا أو ملفًا أميركيًا حصريًا، بل أصبحت ورقة تُعيد رسم معادلات القوة بين واشنطن وحلفائها العرب والمسلمين. 

وجد الرئيس الأميركي نفسه أمام جبهة عربية متماسكة تطالبه بوقف آلة الحرب الإسرائيلية، في وقت يزداد فيه الاعتراف بالدولة الفلسطينية من قبل قوى غربية كبرى، ما عمّق عزلة إسرائيل وضيّق هامش المناورة أمام البيت الأبيض.

إدارة ترامب حاولت استباق الموقف بطرح خطة مكونة من 21 نقطة، تتضمن انسحابًا تدريجيًا للقوات الإسرائيلية، وإطلاق الأسرى، ونشر قوة "عربية - إسلامية" تمهيدًا لإعادة الإعمار، لكن القادة العرب رفضوا التعامل معها كوثيقة ملزمة، واعتبروها غامضة وخطيرة، خصوصًا مع تسريبات حول سيناريو ترحيل الفلسطينيين. 

وجاء البيان العربي واضحًا: "وقف إطلاق النار فورًا، الإفراج عن الرهائن، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية باعتبارها المدخل الوحيد لأي تسوية عادلة"، الأمر لم يقتصر على الموقف السياسي، بل شمل استخدام أوراق ضغط استراتيجية، فقد وقّعت السعودية اتفاقًا دفاعيًا مع باكستان تحت مظلة نووية، في رسالة مباشرة إلى واشنطن بأن أمن الخليج لا يمكن أن يكون رهينة المظلة الأميركية وحدها. 

كما لوّحت دول الخليج بتجميد استثمارات بمليارات الدولارات، فيما عبّرت الإمارات على لسان مندوبتها لانا نسيبة، عن مراجعة اتفاقات أبراهام إذا تحوّلت أداة لتصفية حل الدولتين، ومصر رفعت سقف التحذير بربط استمرار اتفاقية السلام مع إسرائيل بعدم حدوث نزوح فلسطيني إلى سيناء.

بهذه التحركات تتكامل صورة الضغط العربي: "أوراق أمنية تهدد ميزان الردع، أوراق اقتصادية تمس مصالح الولايات المتحدة الحيوية، وأوراق سياسية تعيد تعريف مسار التطبيع"، كلها عناصر تجعل واشنطن أمام اختبار غير مسبوق، وتضع نتنياهو في عزلة متزايدة. 

غزة، التي كانت تُقدّم دائمًا كملف إنساني هامشي أو قضية تفاوضية مؤجلة، تحوّلت اليوم إلى بوصلة تعيد تموضع القوى، فالجرح المفتوح في القطاع لم يعد يختبر صمود الفلسطينيين فقط، بل يكشف حدود الالتزام الأميركي تجاه حلفائه، ويدفع العرب إلى صياغة معادلة جديدة: "إما وقف الحرب وإطلاق مسار سياسي متوازن، أو الدخول في مرحلة من التوتر ستعيد تشكيل النظام الإقليمي على أسس مختلفة تمامًا عمّا خططت له واشنطن وتل أبيب".

عن الكاتب: رئيس تحرير عرب 21 – تونس