النهار
بقلم د. جهاد أبولحية
يشهد شهر سبتمبر الجاري حدثاً دبلوماسياً بارزاً يتمثل في انعقاد مؤتمر نيويورك حول الاعتراف بدولة فلسطين، وهو مؤتمر يتجاوز طابعه البروتوكولي ليشكل محطة محورية في مسار القضية الفلسطينية على الصعيد الدولي. ما يمنح هذا المؤتمر زخماً غير مسبوق هو الدور القيادي الذي تضطلع به المملكة العربية السعودية، ممثلة في ولي عهدها الأمير محمد بن سلمان، بالشراكة مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في إدارة هذا الحراك السياسي والدبلوماسي واسع النطاق.
منذ عقود، ظلت السعودية حاضرة كفاعل رئيسي في دعم القضية الفلسطينية، سواء عبر مبادرة السلام العربية التي طرحتها في قمة بيروت عام 2002، أو عبر جهودها المستمرة في المحافل الدولية. إلا أن ما نشهده اليوم يمثل انتقالاً نوعياً في طبيعة الدور السعودي؛ حيث لم تعد المملكة تكتفي بالتأكيد على ثوابتها السياسية تجاه فلسطين، بل أصبحت تقود عملياً جهود حشد التأييد الدولي وتوظيف ثقلها السياسي والاقتصادي والدبلوماسي من أجل تحقيق اعتراف ملموس بدولة فلسطين داخل أروقة الأمم المتحدة.
وبحسب المعطيات المتداولة، فقد نجحت التحركات السعودية حتى الآن في إقناع عشر دول جديدة بالانضمام إلى قائمة الدول التي ستعلن اعترافها الرسمي بدولة فلسطين خلال هذا الشهر، وهو إنجاز يعكس فاعلية أدوات المملكة وقدرتها على التأثير في مواقف الدول التي لم تكن قد حسمت أمرها في هذا الشأن. هذا التحول يعكس ليس فقط قوة شبكة العلاقات السعودية، بل أيضاً القدرة على توظيف النفوذ الاقتصادي والرمزية الدينية والسياسية للمملكة في خدمة هدف استراتيجي يرتبط مباشرة بمركزية القضية الفلسطينية في الوعي العربي والإسلامي.
إن قيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لهذا الحراك الدبلوماسي تمثل دلالة بالغة الأهمية، فهي تعكس إصرار المملكة الراسخ على ترسيخ موقعها كقوة إقليمية ودولية فاعلة وقادرة على صياغة المبادرات وبناء التحالفات الاستراتيجية. فالمملكة لا تتحرك من منطلق ظرفي أو استجابة لحسابات آنية، بل من منطلق يقين راسخ بدورها التاريخي ومسؤوليتها تجاه القضية الفلسطينية باعتبارها قضية مركزية للعالمين العربي والإسلامي. ومن هنا، تأتي مشاركة ولي العهد شخصياً في هذا المؤتمر إلى جانب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لتمنحه وزناً استثنائياً، وتؤكد أن المملكة تسخر كامل ثقلها السياسي والدبلوماسي من أجل الدفع نحو اعتراف أوسع بدولة فلسطين.
في المقابل، لا يمكن قراءة هذا الحراك بمعزل عن المناخ الدولي الراهن. الولايات المتحدة، التي رفضت منح تأشيرات للرئيس محمود عباس ووفده الرسمي للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، حاولت الحد من التمثيل الفلسطيني المباشر وإضعاف تأثيره في مثل هذه اللحظة الدبلوماسية الحساسة. غير أن الموقف الدولي، المدعوم بحراك سعودي – فرنسي، جاء ليتحدى هذا التوجه؛ إذ صوتت الجمعية العامة بأغلبية 145 دولة لصالح السماح للرئيس عباس بإلقاء كلمته عبر الفيديو، وهو ما عكس عزلة الموقف الأمريكي وأبرز تنامي الدعم الدولي لفلسطين.
وعليه، فإن مؤتمر نيويورك لا يمثل مجرد اجتماع أممي عابر، بل هو مؤشر على تشكل اصطفاف دولي جديد، تقوده السعودية بمشاركة فرنسا، من أجل إحداث اختراق حقيقي في ملف الاعتراف بدولة فلسطين. الجهود السعودية في هذا السياق لا تقتصر على الحشد الدبلوماسي فحسب، بل تشمل توظيف الإمكانيات السياسية والاقتصادية والإعلامية للمملكة في مسار متعدد الأبعاد يهدف إلى تكريس فلسطين كدولة كاملة العضوية في الوعي الدولي.
إن النجاح في دفع عشر دول جديدة للاعتراف بفلسطين خلال هذا الشهر يشكل بداية لمسار أوسع، قد يتطور ليشمل عدداً أكبر من الدول في المستقبل القريب، ما يعزز الشرعية السياسية والقانونية لفلسطين، ويزيد الضغوط على إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة. وبذلك، فإن الدور السعودي، بقيادة الأمير محمد بن سلمان، لا يمكن اعتباره مجرد دعم تقليدي للقضية الفلسطينية، بل هو إعادة صياغة لمعادلة الدعم، من موقف التضامن إلى ممارسة فعلية للضغط السياسي وحشد الاعترافات، الأمر الذي يكرّس المملكة كقوة إقليمية ودولية محورية في إدارة الملف الفلسطيني.
في المحصلة، يشير هذا الحراك إلى أن مؤتمر نيويورك سيكون محطة فارقة في مسار القضية الفلسطينية، ليس فقط بسبب موضوعه المباشر المتمثل في الاعتراف بالدولة، بل أيضاً لأنه يعكس تحوّل المملكة العربية السعودية إلى مركز ثقل رئيسي يقود الجهود الدبلوماسية الدولية في هذا الملف، بالشراكة مع فرنسا، في لحظة تاريخية قد تمهد الطريق نحو تحولات أوسع في موقع فلسطين على الخارطة السياسية للعالم.
معلومات عن الكاتب: الدكتور جهاد أبولحية، أستاذ القانون والنظم السياسية الفلسطيني