الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٠ سبتمبر-٢٠٢٥       33220

بقلم: ليلى محمد الهرش

في ظل التحولات المؤسسية التي تشهدها المملكة نحو بناء بيئة أكثر مساءلة وشفافية، تبرز المراجعة الداخلية بوصفها ممارسة مهنية تُعيد تعريف العلاقة بين الرقابة والثقة. وحين يتحول الكيان المهني من "جمعية" إلى "هيئة"، فالمسألة لا تتعلق بالتسمية، بل بالدلالة التنظيمية. إن تعديل مسمى الجمعية السعودية للمراجعين الداخليين إلى الهيئة السعودية للمراجعين الداخليين، لا يعني فقط توسعة النطاق، بل يُعبّر عن تطور في النظرة إلى المهنة بوصفها ممارسة تستحق الحماية والتطوير والاستثمار. وهو تحوّل يُجسّد انتقال المهنة من الهامش إلى قلب المنظومة التنظيمية، بوصفها شريكًا في تحسين الأداء وصناعة القرار.

المراجع الداخلي، الذي اعتاد أن يُنظر إليه بوصفه مراقبًا بعد الحدث، يجد نفسه اليوم أمام مشهد مختلف. مشهد يُطالبه بأن يكون أكثر فهمًا للسياق، أكثر قدرة على قراءة المخاطر، وأكثر دقة في تقديم الرأي المهني الذي يُساعد الإدارة على اتخاذ القرار، دون أن يتخلى عن استقلاليته أو يُفرّط في دوره.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية وثيقة "إطار الكفاءة لمهنة التدقيق الداخلي" الصادرة عن المعهد الدولي للمدققين الداخليين، والتي تُقدّم تصورًا متكاملًا لتطور المراجع المهني. يُقسّم الإطار الكفاءة إلى أربع مراحل تبدأ بالفهم الأساسي، مرورًا بالتطبيق والتحليل، وصولًا إلى القيادة المؤثرة. لكنه لا يكتفي بتحديد المسار الزمني، بل يُعيد تعريف الكفاءة بوصفها ممارسة متعددة الأبعاد تشمل: أداء المهمة، والتفاعل مع الآخرين، والتأثير في المؤسسة، والتطور المهني المستمر. فالمراجع الداخلي لا يُعرَّف من خلال مهاراته الفنية فقط، بل من خلال قدرته على التواصل، وذكائه التنظيمي، والتزامه الأخلاقي، ووعيه بالسياق الذي يعمل فيه. ويُركّز الإطار على تمكين المراجع من تحليل السياسات القائمة، وقياس فاعليتها، وتقديم الرأي الفني المستقل بشأنها، بما يُسهم في تحسين الأداء المؤسسي دون تجاوز حدود الدور المهني.

في بعض المؤسسات، تتداخل الثقافة مع التنظيم، وتُدار السياسات أحيانًا بما هو غير مكتوب أكثر مما هو مكتوب. وهنا تبرز أهمية  المراجع الداخلي  بوصفه صوتًا مهنيًا لا يُجادل، لكنه لا يُجامل. فدوره لا يقتصر على فحص الإجراءات، بل يمتد إلى قراءة السياق، وتقديم رأي مستقل يُسهم في تحسين الأداء دون أن يُفسد التوازن الداخلي للمؤسسة.

المراجعة الداخلية ليست وظيفة تقنية، بل هي ممارسة فكرية تتطلب فهمًا للمخاطر، إدراكًا للعلاقات التنظيمية، وقدرة على قول ما يجب أن يُقال دون أن يُفسد ما يجب أن يبقى. وهي، في جوهرها، فن الإصلاح من الداخل، دون ضجيج، ودون ادعاء البطولة.

في زمن تُعيد فيه المؤسسات بناء نفسها على أسس الشفافية والمساءلة، فإن  المراجع الداخلي  ليس مجرد عين ثالثة، بل هو ضمير مهني يُذكّر الجميع بأن الكفاءة لا تُقاس بما نُنجزه فقط، بل بما نجرؤ على مراجعته.