النهار

١٧ سبتمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٧ سبتمبر-٢٠٢٥       9625

بقلم / موضي عوده العمراني 

الوفاء شجرة وارفة الجذور، ضاربة في أعماق القلوب، لا تقتلعها رياح الأيام، ولا تجفّفها شمس الظروف. هو أعظم ما يُزيّن الإنسان، وأجمل ما يُخلّد ذكره بين الناس، لأنه يعلو فوق المصالح، ويُحلّق بعيدًا عن الحسابات الضيقة، ليبقى قيمةً إنسانية لا تموت مهما تبدلت الأزمنة.

الوفيّ لا ينسى، ولا يتخلّى، ولا يعرف أنصاف العهود. هو ذاك الذي يحفظ الجميل مهما طال الزمن، ويقف إلى جانب من أحبهم في لحظات القوة والضعف على حد سواء. ولعل أصدق صور الوفاء تتجسد في أولئك الذين أفنوا أعمارهم في خدمة من حولهم، يزرعون البذور ويصبرون على السنين حتى ينعم بها غيرهم. هؤلاء يمضون وقد تركوا وراءهم أثرًا خالدًا يظل شاهدًا على نقاء قلوبهم وصفاء نواياهم.

وإذا كان الغدر خيانةً تُميت الروح وتترك في النفس جراحًا لا تُداوى، فإن الوفاء حياةٌ متجددة تُنعش الأرواح وتُضيء الدروب. هو النور الذي يبدد عتمة النسيان، واليد التي تُمسك بنا حين تترنح خطواتنا في طرقات الحياة. لذلك، يظل الوفاء قيمةً خالدة تتوارثها الأجيال كما يتوارثون ميراث الأرض والبيوت، بل هو أعظم من ذلك لأنه ميراث القلوب والعقول.

الوفاء لا يرتبط بالمواقف الكبيرة فقط، بل يتجلى أيضًا في تفاصيل الحياة الصغيرة؛ في كلمة صادقة، في دعاء خفي، في ذكرى لا تُنسى، أو في موقف عابر يثبت أن القلوب لا تزال عامرة بالحب والإخلاص. إن الوفاء سلوك يومي، وملامح واضحة في أفعال من يقدّرون معنى الإنسانية ويُعظمون قيمة الروابط التي تجمعهم بغيرهم.

وما أجمل أن نغرس في الأجيال القادمة قيمة الوفاء، ليكبروا وهم يدركون أن الوفاء ليس ضعفًا، بل قوة، وليس ترفًا، بل أساسًا تُبنى عليه المجتمعات. فالمجتمع الذي يفقد الوفاء، يفقد هويته، وتنهار فيه جسور الثقة، بينما المجتمع الذي يحفظ العهود ويكرم أهل الوفاء، يعيش متماسكًا متحابًا، لا تهزه العواصف.

الوفاء لا يموت لأنه حياة في ذاتها؛ حياة أولئك الذين يرحلون بأجسادهم لكن تبقى ذكراهم حاضرة في القلوب والوجدان، تُلهِم من بعدهم وتمنحهم زادًا للاستمرار. إنهم يموتون جسدًا، لكنهم خالدون بروح وفائهم، خالدون بما زرعوه من أثر، وبما قدّموه من تضحيات، وبما تركوه من بصمات لا تُمحى.

وفي نهاية المطاف، يبقى الوفاء وعدًا صادقًا لا يخون، ولحنًا عذبًا لا يخفت، ورمزًا خالدًا يؤكد أن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه ليس مالًا ولا جاهًا، بل قلبًا صادقًا ينبض باسمه، ولسانًا وفيًّا يذكره بخير، وأرواحًا لا تزال تستشعر عطاؤه رغم مرور السنين.