النهار

١٦ سبتمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٦ سبتمبر-٢٠٢٥       11000

بقلم: حمد حسن التميمي

في كل بداية، نتخيل القفزة الكبيرة كأنها شرارة مفاجئة تغير كل شيء في لحظة. لكن الحقيقة أقل صخبًا وأكثر إنسانية: القفزات العظيمة تبدأ بخطوات صغيرة متماسكة، تتراكم بهدوء حتى تصنع انفجارًا لا ينتج عن الحظ، بل عن صبر محسوب. هنا ليست وصفة سريعة، بل طريقة عيش: أن تمنح نفسك زخمًا يوميًا صغيرًا، كقطرات ماء تنحت حجر الشك بطمأنينة لا تتعب.

الفكرة بسيطة وعميقة معًا: بدل مطاردة التحول دفعة واحدة، نُصمّم "بطئًا ذكيًا" يبني طاقة مستترة تحت السطح. عشر دقائق قراءة تسبق يومك. تمرين قصير يحفظ وعدك لجسدك. صفحة واحدة تكتبها بلا ادعاء عبقرية. هذا الزخم الخفيف لا يُرهق الإرادة ولا يطلب بطولات، لكنه يصنع ما لا تصنعه القفزات المتقطعة: استمرارية تنمو مثل جذور غير مرئية، تمسك الشجرة من قلب الأرض.

البداية من الداخل. لا تحتاج أدوات جديدة بقدر ما تحتاج إيقاعًا جديدًا. اختر عادة دقيقة تعني لك حقًا، واربطها بمحفز ثابت: بعد فنجان القهوة، تمش لخمس دقائق. بعد إغلاق الهاتف ليلًا، اقرأ صفحتين. السر ليس في طول المدة، بل في ثبات الإشارة. ومع كل يوم تُنجز فيه "القليل" بصدق، يتوسع تعريفك الممكن عن نفسك، فيزداد استعدادك لرفع السقف درجة صغيرة أخرى.

ثم يأتي دور "الحد الأعلى". نعم، حد أعلى. لا تسمح للعزم المفاجئ أن يُغريك بالمبالغة. إنجاز خمس صفحات أفضل من محاولة خمسين تنهار بعدها لأيام. نحن لا نربح يومًا مدهشًا، بل نربح سلسلة أيام يمكن تكرارها. هذه العقلية تحميك من دائرة الذنب والانقطاع، وتحول عنايتك بنفسك إلى عادة لا مجهودًا يستنزفك.

وفي المساء، مراجعة رقيقة لا تتجاوز خمس دقائق: ماذا فعلت؟ ماذا شعرت؟ ما الشيء الصغير الذي سأحسنه غدًا؟ لا جلد للذات، فقط تصحيح زاوية. بهذه البساطة تتحول التجربة إلى تعلّم حيّ، لا إلى سباق بلا ملامح. ومع الأسابيع، ستلاحظ أن مهارتك صارت أمتن، وأن صوتك الداخلي أصبح أكثر هدوءًا وثقة.

إذا استشرفنا الغد، سنجد أن هذه الخطة البطيئة ليست مجرد أسلوب شخصي، بل قد تصبح بنية لا غنى عنها في عالم سريع متقلب. سنرى منصات تعلم مصغرة مبنية على نبضات قصيرة متتابعة: نبضة تعلم، نبضة تطبيق، نبضة مراجعة. مؤسسات تعتمد "أسابيع زخم" بدل حملات ماراثونية مُنهكة. مدربين يقيسون النجاح بالاتساق قبل الإنجاز، وبالتحسن التراكمي قبل الأرقام الكبيرة. وربما ستظهر وظيفة جديدة: "مهندس الزخم"، يصمم عادات دقيقة تُضاعف أثر الفرق والأفراد دون أن تحرقهم.

في النهاية، الانفجار الشخصي لا يأتي من ضربة حظ، بل من أصابعك التي تربت يوميًا على كتف الحلم وتقول له: أنا هنا. أن تمشي قبل أن تركض. أن تكرر قبل أن تتباهى. أن تحترم القليل لأنه الطريق الوحيد إلى الكثير. وحين تنظر وراءك بعد شهرين أو ثلاثة، ستجد أن الجبال التي أخافتك لم تختف… لكنها صارت قابلة للصعود لأنك بنيت ساقين قويتين من خطوات قصيرة. امنح نفسك اليوم عشر دقائق صادقة، ودع الغد يكمل الباقي. هكذا يولد الانفجار… من هدوء يعرف توقيته.