بقلم : د. خالد بن يحيى القحطاني
في عام 1972 صدر كتاب Learning from Las Vegas للمعماري روبرت فينتوري وآخرين، والذي جاء ثمرة بحث ميداني جريء أراد أن يواجه من خلاله هيمنة الحداثة وشعارها الشهير “less is more”. والذي يرى فيه تجريد المدينة من قدرتها على التواصل مع مستخدميها. الكتاب جاء ليعيد الاعتبار إلى المعنى والرمز كجزء لا يتجزأ من تصميم المكان.
لم يكن الكتاب مجرد وصف لمدينة Las Vegas، بل كان بمثابة بيان فكري أحدث انقلابًا في النظر إلى العمارة: المدينة ليست مجرد كتل صامتة، بل خطاب بصري مباشر، يقرأه الناس كما يقرأون الصحف واللافتات.
منهجية المؤلفين اعتمدت على مسح بصري: تصوير واجهات المباني، قياس أحجام الحروف، توثيق سرعة السيارات وزوايا الرؤية، وتحليل أيهما يسبق الآخر في إدراك السائق: الكتلة أم الإشارة. النتيجة جاءت حاسمة: الإشارة تسبق الكتلة دائمًا. قيمة الكتاب لم تكن في توصيف Vegas بحد ذاتها، بل في فتح أفق جديد للمعماري: أن يتعلم من المكان، مهما كان، ومن هنا وُلدت ما بعد الحداثة المعمارية، التي أعادت الاعتبار للتعقيد والرموز ولطرائق الناس اليومية في قراءة المدينة.
بعد نصف قرن من ذلك الدرس، يُطرح سؤال جديد: ما الذي يمكن أن نتعلمه اليوم، ومن أين؟ الجواب جاء من السعودية العظمى في عام 2021 مع إعلان مشروع The Line في نيوم. مدينة بطول 170 كيلومترًا، عرض 200 متر فقط، تسعة ملايين ساكن، بلا سيارات، بلا شوارع، بلا انبعاثات، تعتمد كليًا على الطاقة المتجددة، وتوزع وظائفها عموديًا بحيث تكون جميع الخدمات الأساسية على بُعد خمس دقائق مشيًا.
إذا كانت Las Vegas قد علمتنا أن المدينة خطاب بصري واضح، فإن The Line تُقدّم خطابًا جديدًا: خطابًا أخلاقيًا بيئيًا. فالواجهة هنا ليست لوحة دعائية، بل سطح عاكس يتماهى مع الطبيعة بدلاً من أن ينافسها. المعنى لا يأتي من كثافة الإشارات، بل من شراكة معلنة بين العمارة والطبيعة.
المملكة العربية السعودية و من خلال The Line تُعد مثال عالمي يُحتذى به في المواطنة العالمية والمسؤولية تجاه البيئة والإنسان، لتؤكد أن التنمية لا تنفصل عن القيم الإنسانية الكونية.
ما يقدّمه The Line للمعماريين والمخططين ليس مجرد نموذج تقني مستقبلي، بل درس فكري يماثل في عمقه ما قدّمه Learning from Las Vegas قبل عقود. الفرق أن درس Las Vegas كان بصريًا استهلاكيًا، بينما درس The Line بيئي وأخلاقي. ويمكن تلخيص هذا الدرس الجديد في أن:
(المدينة ليست فقط للتواصل البصري بل للتوازن البيئي، وأن العمارة ليست مجرد بيان جمالي بل مسؤولية أخلاقية تجاه البيئة والكون، وأن الاستدامة هي اللغة الجديدة التي ستُقرأ بها المدن، كما قُرئت في الماضي عبر لافتاتها وواجهاتها )
قبل خمسين عامًا قيل للعالم: تعلّموا من Las Vegas كيف تتحدث المدينة بلغة يفهمها الناس. واليوم، يمكننا أن نقول: تعلّموا من The Line كيف تتحدث المدينة بلغة المستقبل؛ لغة الاستدامة، احترام الطبيعة، والمواطنة العالمية التي تضع الإنسان والبيئة في الأولوية.
حساب الكاتب:@archkh_