الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٦ سبتمبر-٢٠٢٥       20130

بقلم / حسن القبيسي
كثيرًا ما نسمع مقولة "العُمر مجرد رقم"، وقد يظن البعض أنها عبارة تُقال لتخفيف وطأة التقدّم في السن، أو كذريعة للتهرب من الواقع. ولكن إذا تأمّلنا المعنى العميق لهذه الجملة، نجد أنها تحمل فلسفة عميقة تتعلق بنظرتنا إلى الحياة، والقدرة على تحقيق الأحلام، والانفتاح على التجارب الجديدة، بغض النظر عن الرقم في بطاقة الهوية.

العمر الحقيقي في العقل والروح

العُمر الزمني يقيس عدد السنوات التي عشناها، لكنه لا يعكس بالضرورة نضجنا، حيويتنا، أو شغفنا بالحياة. فكم من شابٍ في العشرينات يعيش كأنه في السبعين، مثقل بالإحباط والخمول! وكم من شخصٍ في الخمسين أو الستين ينبض بالحياة، يغامر، يتعلم، ويبدأ من جديد دون أن يقيده المجتمع أو توقعات الآخرين.

الروح هي ما يُحدد طاقتنا، وعقلنا هو ما يحدد حدودنا. فطالما أن الشخص يملك الرغبة في التعلم، والنمو، والتجربة، فإن "العمر" لا يجب أن يكون عائقًا أبدًا.

تجارب النجاح لا تعترف بالعُمر

هناك أمثلة لا تُحصى لأشخاص تحدّوا مفهوم العُمر التقليدي وحققوا إنجازات عظيمة في مراحل متقدمة من حياتهم. فـ"كولونيل ساندرز" أسس سلسلة مطاعم "كنتاكي" في عمر 65، و"نيلسون مانديلا" أصبح رئيسًا لجنوب إفريقيا بعد أن قضى أكثر من 27 عامًا في السجن، وهو في السبعين من عمره. تلك النماذج وغيرها تثبت أن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد في أي وقت، ما دام يحمل الإيمان بقدراته.

المجتمع وضغط الأرقام

مع الأسف، كثير من المجتمعات العربية - وغيرها - تربط الإنجاز، الزواج، التقاعد، أو حتى التعلّم، بسنّ معينة، وكأن لكل مرحلة عمرية وظيفة محددة لا يُمكن الخروج عنها. هذا التفكير يخلق قيودًا وهمية تعيق الناس عن تحقيق إمكاناتهم.

لكن الحقيقة أن الحياة ليست سباقًا، وليست هناك "أوقات مثالية" يجب الالتزام بها. لكل إنسان طريقته وتوقيته الخاص.

العمر والحب والسعادة

حتى في العلاقات العاطفية، يضع البعض فوارق العمر كعقبة، رغم أن الحب الحقيقي لا يعرف سنًا. ما يهم في العلاقة هو التفاهم، والاحترام، والرغبة المتبادلة في بناء حياة مشتركة. كذلك، لا يجب أن يعتقد الإنسان أن السعادة تقتصر على عمرٍ معين، فكل مرحلة من الحياة تحمل فرصًا جديدة للفرح والنمو.

 

خاتمة

في نهاية المطاف، العُمر مجرد رقم حقًا، لا أكثر. هو لا يحدد طاقتك، ولا قيمتك، ولا حدود أحلامك. ما يحدد ذلك هو إيمانك بنفسك، واستعدادك الدائم لخوض تجارب جديدة، وتقبّل الحياة بكل ما فيها. فكن كما تريد، في أي وقت تشاء، ولا تسمح لرقمٍ أن يقيّد روحك.