بقلم : لواء م عبد الله ثابت العرابي الحارثي
كم من علاقات جميلة انهارت، وكم من أسر تفككت، وكم من بيئات عمل تعطلت، بسبب ظنون لا أساس لها من الحقيقة. إنه التفكير الحسي السلبي، النمط الذي يجعل صاحبه يفسر المواقف بعاطفته وحدسه الشخصي، لا بعقله ومنطقه.
أبسط صور هذا التفكير ما نسمعه من عبارات مثل: “أنا أحس أنه يقصدني، أنا أحس أنه لا يحبني، أنا أحس أنه فعل هذا ليغيظني أو ليحرجني، هذا لا يريد لي الخير، أنت لا تعرفه، أنا أعرفه وأعرف قصده.” هذه العبارات، رغم أنها مجرد إحساس داخلي، تتحول في ذهن صاحبها إلى قناعة راسخة، ثم يبني عليها مواقفه وردود أفعاله، وهنا تكمن المشكلة.
من المهم أن ندرك أن ليس كل إحساس مضرًا. فالتفكير الحدسي قد يقودنا أحيانًا للقرار الصحيح دون تحليل طويل، لكن التفكير الحسي السلبي هو الذي يفسر كل تصرف على أنه إساءة أو استهداف، فيغرق صاحبه في دائرة من القلق وسوء الظن. ومن يعيش أسيرًا له يرهق نفسه لأنه يتعامل مع الناس بمنظور الشك، فيتوقع الإساءة دائمًا ويبحث عن أي دليل يثبت أنه غير محبوب، فتنهار طمأنينته وتتوتر علاقاته.
آثار هذا التفكير لا تقف عند الفرد، بل تمتد إلى الأسرة والمجتمع والعمل. داخل الأسرة، يحوّل دفء المودة إلى برود، ويستبدل الثقة بالاتهام. وفي بيئات العمل، يزرع الشك بين الزملاء ويضعف روح الفريق، فيتراجع الإنجاز وتفشل المبادرات. بل قد تمتد آثاره لمجتمعات كاملة، حيث يغذي الانقسام بدل التلاحم.
صحيح أن أنماط التفكير تختلف بين الناس، لكن حين يتحول التفكير الحسي إلى سلبي مدمر يصبح عائقًا خطيرًا أمام استقرار الإنسان وسعادته، لأنه يسلبه راحته النفسية، ويفسد متعة العلاقات وفرص النجاح.
الحل يبدأ بالوعي؛ أن ندرك أن الإحساس ليس حقيقة بالضرورة، وأن المشاعر وحدها لا تكفي للحكم على الآخرين. علينا أن نراجع أنفسنا قبل إصدار الأحكام، ونبحث عن التفسير الإيجابي بدلًا من الانجرار وراء الظنون. فكثير من الكلمات والتصرفات التي تُفسَّر كإساءة، قد تكون في حقيقتها بريئة وعابرة.
التفكير الحسي السلبي ليس قدرًا محتومًا، بل وهم يمكن كسره وظل يمكن تبديده. حياتنا أثمن من أن تختزل في ظنون زائفة، وعلاقاتنا أقدس من أن تهدر تحت رحمة الأوهام. فلنحرر أنفسنا من هذا القيد، ونمنح قلوبنا مساحة لحسن الظن، وعقولنا فرصة لرؤية الحقيقة كما هي. عندها سنعيش حياة أصفى، وعلاقات أدفأ، ومجتمعًا أقوى تماسكًا.