الكاتب : الدكتورة: يسرى التمراوي
التاريخ: ٠٢ أغسطس-٢٠٢٣       42900

الصداقة مطلب إنساني.. أم خلاص كبير

بقلم الكاتبة: الدكتورة يسرى التمراوي 

لابدّ لنافي هذا السياق من العودة إلى مفهوم الصداقة منذ القدم فقد مثّلت المجتمعات البدائية صورة موغلة في القيم انذاك .و في أحيان أخرى مادّة حاوية لطاقات وقدرات و إمكانات الكائن البشري. فحاجة الإنسان إلى المحبّة والألفة والصداقات هي حاجة ملحّة تتجاوز تلك الأشياء البسيطة المتمثّلة في المأكل والملبس وتختلف أنماط الصداقة بحسب القيم التى يؤمن بها مجتمع ما .

لذلك أمكننا القول أن فضاء الصداقة قد مثّل هويّة تتماشى مع منطق المجتمع البدائي .وبالرجوع إلى هذا المنطق فإنه أمكننا القول أن الصداقة كانت مقترنة بالدم والسلاح والحرب و أخذ الثأر والانتقام والتأخي واللحمة القبلية.

تقودنا هذه القيم الفكرية إلى طبيعة المجتمعات أنذاك فالصداقة من هذا المنطلق ليست قيمة ثابته بقدر ماهي استكمال تصور ثقافي واجتماعي لبيئة معينة. لقد كانت العرب قديما مثل باقي الحضارات تولى اهتماما للنّزعة القبلية و تلك كانت القدرة الجوهرية الفعّالة التي وهبها الإنسان لنفسه ولأفراد القبيلة فيها بعد.

فلا معنى للحديث عن قيمة الصداقة إلاّ إذا ماهرع أفراد قبيلة ما إلى مؤازرة أخرى أثناء خوض الحروب مثلا .و إذا مارمنا البحث في أساسيات هذه الصداقة فإنّنا نلاحظ ارتباطها بمحاولات الإنسان في مواجهة قوى الطبيعة وضمان الأمن والإستقرار.

يمكن القول في ضوء الحديث عن هذه القيمة "الصداقة" أن طبيعة الذّات البشرية ليست في غنى هذه القيمة و إنّ وقعت في شركها وقوعا ساذجا, إلا أنها لا تنفك في حاجة دائمة إلى وجود الصداقة وجودا حسيّا واقعيّاللاطمئنان.

إنّ ما يهمنا هو ثبات قيمة الصداقة واستحواذها على الذّوات البشرية وبما أنّنا أشرنا سابقا إلى أنّها شكل ثقافي فهي تستمد تشكلها من الصفات و القيم الراسخة المكتسبة لمجتمع من المجتمعات.

ففي المجتمع المسيحي مثلا كانت الصداقة تضبط وفق مبادئ لاهوتيةأخلاقية من جهة وقوانين تنظيمية من جهة أخرى .

إنّ الإقرار بأنّ الصداقة هي بمثابة الكمال الروحي للإنسان يفنده قولارسطو "الانسان كائن إجتماعي " إذ لا يمكنه العيش بمعزل عن الأخر . ولعل هذه الحاجة الملحّة لمدّ جسور التواصل كانت سببا في أنّ يعي الإنسان ذاته من خلال تفاعله مع أفراد قبيلتة واحتمائه بهم لمواجهة الأخطار.

الأصل في الصداقة أن تبنى على قيم روحية واجتماعية صادقة . وماعدا ذلك فهو يبهت هذه القيم. و قد ارتأينا ونحن نرصد وجوها منذ القدم أن نعود إلى مادّة (كذب) لنتفحص كلّ ما له علاقة بهذا الفعل وقيمة الصداقة .

من المعلوم أن فعل "كذب" باعتباره فعل لغوي بالدرجة الأولى فهو مقرون بالأقوال . وهذا مايفسح المجال للتخييل وإنتاج الخطاب الواهم والخادع والمزيّف.

وماد منا ضمن هذ التحليل فلابدّ من الإشارة إلى البعد النفسي الذي يلعبه فعل الكذب في علاقة الصداقة فحاجيات الذات واحتياجاتها للطرف الأخر تجعلها في موضع اغراء وعبث وترغيب و تحفيز من أجل التلاعب بردود فعل الطرف الأخر ومعاملته وفق خطّة دقيقة تقوده إلى ما يريد وتجرّه حرّا إلى الهدف باسم الصداقة.

لقد توقّفنا عند هذه الإشكالية بالذّات لإعتقادنا أنّها جوهر البليّة في فساد و إفساد قيمة الصداقة التي ما إنّ تدخل حيّز الكذب و الخداع تتلاشى في عوالم المصلحة الذّاتية القذرة.

نستطيع اسنادا إلى ما سبق التفطّن إلى قوّة فعل "الكذب" وخطورته على قيمة الصداقة التى قوامها المواقف. ومما لاشكّ فيه لايمكن أن تنجح صداقةما تقوم على الملاوصة لأنّها محكومة بطابع مشدود متوتر و خيبات في تلك المسافة الفاصلة بين نيّة الطرف المبيّت للخداع و غفلة الطرف الأخر و اطمئنانه إلى المقام الذي يوجد فيه "الصداقة" باعتباره مقاما آمنا.

إنّ حاجة الإنسان إلى أخيه الإنسان جعلت من الصداقة مطلبا إنسانيا ساميا. ولكن ما إنّ تبنى هذه الصداقة على ماهو نفعي فمآلها الزوال لأنها عرضية عابرة و ما إن يتعرّى زيف الصديق ستصاب بدوار مرفوق بغثيان لكن سرعان ما يعبر بك إلى الخلاص الكبير لحظة اكتشاف و انكشاف جوهر الشرّ