صفوت محمود
هذه ليلتي (1 – 3)
بقلم / صفوت محمود
في نهايات العمر تتراكم في الذاكرة الشجون.. نشتاق للبدايات.. تأخذنا أمواج الذكريات إلى زمان ولى وانقضى.. زمن الطفولة والصبا وأوائل الشباب.
ما زلت أشعر بحالة من الشجن وحالة من شرود الذهن حينما يرد إلى مسامعي أغنية (هذه ليلتي) لأم كلثوم.. نفس المشاعر والأحاسيس التي كنت أشعر بها حين كنت أستمع إليها في الماضي، وكأن الزمن توقف وكأن السنين لم تمر. والغريب أنني لا أدري ما السر في هذه الحالة الوجدانية والمزاجية التي كانت تسيطر على نفسي والتي ارتبطت بسماع تلك الأغنية، رغم أنني على مدار سنوات عديدة كنت أجهل العديد من معاني هذه القصيدة.
ومع مرور السنوات والتقدم في العمر، استطعت أن أستوعب فلسفة الشاعر اللبناني جورج جرداق مؤلف هذه القصيدة الرائعة، استطعت أن اقتحم مكنون قلبه ووجدانه، وأشاركه سهره وسهده، أحلامه وأمنياته، مخاوفه ورجاءه، وأخيراً سأحاول اكتشاف سر تلك المشاعر التي تنتابني في كل مرة استمع فيها إلى كلمات جورج جرداق وألحان محمد عبدالوهاب وصوت الست أم كلثوم.
بكل تأكيد فقد استولت كلمات تلك القصيدة الجميلة على وجدان الموسيقار محمد عبدالوهاب فأبدع في صناعة لحنها، حين اختار مقام (البياتي) وهو مقام شرقي أصيل، مقام واسع ذو شجون يأخذنا بعيداً في أودية الأحلام وأنهار الذكريات، وهو أيضاً مقام الحب والشوق والنداء والانتظار واللهفة والرقة والفرح والحزن، كل هذه المشاعر والشجون حملتها قصيدة (هذه ليلتي) للرائع جورج جرداق، والتي كانت ليلته ليلة استثنائية، ليلة بكل العمر الذي مضى والذي سيأتي، هي حلم العمر كله، حلم اللقاء بالمحبوب، الذي يجسد كل معاني الحب والأماني.
هذه ليلتي وحُلم حياتي
بين ماضٍ من الزمان وآتٍ
الهوى أنت كله والأماني
فاملأ الكأس بالغرام وهاتِ
ورغم الرومانسية المطلقة لشاعرنا إلا أنه كان واقعياً، فقد فطن إلى تغيرات الزمان وتقلبات الحياة، فتبدل الأحوال وتغيرها من السنن الكونية، فلا حب يدوم ولا سعادة تستمر، فقد ينتهي الحب بالفراق أو ينغصه مكاره الحياة، وقد تصبح الديار العامرة دياراً مهجورة تنظر في سخرية إلى هاجريها الذين ضلوا الطريق، وتلك هي سخريات الحياة ولهوها بكل من اطمأن لها وظن أن السعادة فيها أبدية حتى الممات، لذا فلا وقت لتأجيل الحب.
بعد حين يبدل الحب دارا
والعصافير تهجر الأوكارا
وديار كانت قديماً ديارا
سترانا كما نراها قفارا
سوف تلهو بنا الحياة وتسخر
فتعال أحبك الآن أكثر
وحين يتحقق الأمل ويهدي القدر إلى الأحبة هدية اللقاء في أمسية جميلة، تكون تلك الليلة هي الحاضر الثالث بين الحبيبين، تصغى وتستمع إلى أحاديث الحب والشوق، وتشهد على حرص المحبوب على تهدئة روع الحبيب و(لملمة) الأشواق عن ناظريه، وكذلك حرص الحبيب على منح كل مشاعر الحنان للمحبوب، ولاشك أن لحظة اللقاء ربما تعجز الحواس على استيعابها من فرط السعادة، فلا سبيل إلا إلغاء الحواس الظاهرية حتى يستطيع الفؤاد رؤية المحبوب، فيطول الليل وتكون الليلة ليلة استثنائية.. ليلة البوح بمكنون الوجدان، ليلة بكل الليالي التي عجزت فيها الحواس عن إيصال رسالة القلب.
والمساء الذي تهادى إلينا
ثم أصغى والحب في مقلتينا
لسؤال عن الهوى وجواب
وحديث يذوب في شفتينا
قد أطال الوقوف حين دعاني
ليلم الأشواق عن أجفاني
فادن مني وخذ إليك حناني
ثم أغمض عينيك حتى تراني
وليكن ليلنا طويلا طويلا
فكثير اللقاء كان قليلا
وإلى لقاء آخر في أمسية أخرى، بإذن الله، لنستكمل الغوص في وجدان شاعرنا جورج جرداق.