الكاتب : الدكتورة: يسرى التمراوي
التاريخ: ١٧ يوليو-٢٠٢٣       45320

التكرار آفة المتعة

بقلم الدكتورة:  يسرى  التمراوي

أستاذ مساعد أدب عربي قديم


عندما تقدم على منح حياتك للكتابة فكأنّك تمنح نفسك لحيوات الآخرين. هذا هو حال كلّ كاتب مبدع اختار هذا الطّريق. أن تكون كاتبا هو أن تبني رؤية للنّاس تقوم على مساعدتهم والخلاص من حمأة الجهل وتشق بهم عوالم لم تطأها أقدامهم من قبل.
شيء مّا دفعني إلى التوقّف عند هذه الفكرة فقد أصبحت الكتابة اليوم فعل تكرار عشوائيّ. تواجهني الكثير من النّصوص لنفس الكاتب أحيانا لا تعدو أن تكون مجرّد حكايات قديمة أتوقّف عند صفحات قليلة منها وسرعان ما أمرّ دون قراءة. إنّ القارئ وهو ينحني أمام عمل إبداعيّ سيكون من الصّعب محو ملامح ذاكرته تجاه كاتب ما ولن يشفي غليله إلاّ انفعالاته وزوبعة أحاسيسه وهو يعيش حالات من التوتّر والانفعال عند انغماسه بالقراءة.
إنّ المبدع الحقيقيّ هو الذي يتفطّن إلى سرّ الكتابة ويحترم عقل القارئ وذائقته الفنّية فيصنع بكلماته شباكا وشراكا توقع القارئ.
أحيانا تتعبنا الكلمات ولعبة الشخصيات ويمتصّنا العمل الأدبيّ ويصبح شغلنا الشّاغل التقاط ما أمكن من صوره وفكّ ألغازه. لا شكّ أنّ فعل الإدهاش الذي يبثه الكاتب في عمله الإبداعي نابع من حبّ الكتابة ومن عدم الخوف من التجديد وإضفاء روح أخرى والتّحرّر من التراكمات السّابقة للذّاكرة.
إنّ هذا ما يجب أن يكون عليه الكاتب أن يجتهد في أدواته الإبداعيّة حتّى يلهم قرّاءه ويجنب عقولهم لعنة اجترار النّصوص.
أجد نفسي أمام استحضار الكاتب التشيكي ميلان كونديرا أحد أبرز أسماء الأدب الأوروبي، ولعلّ ما لقيه هذا الكاتب من شهرة يعود إلى سبب أوّل وهو تنوّع الموضوعات التي كتب فيها وثانيا أسلوبه ونزعته الفلسفيّة. فكونديرا كان مثالا للكاتب الذي يقول ما يريد غير آبه بعالم الشهرة، فقد استطاعت ذاته المبدعة أن تستوطن ذاكرة القارئ. إنّه ليس مجرّد كاتب وحسب بل هو فنّان وقد ترك بصمته في كلّ أثر إذ لم تكن نصوصه سطحيّة فقد كانت عالما مميّزا تحمل أكثر من معنى وأكثر من مقصد.