الكاتب : د .طارق بن محمد بن حزام
التاريخ: ١٢ يوليو-٢٠٢٣       39985

رسالة الى كل زوج وزوجه

'

 

سيقولون لك : 
لا تقبل بتلك التي تجد في نفسها اعتراضات عليك، سواء في مظهرك أو سلوكك أو شخصيتك أو أي شيء آخر.
  إن لم تقبلك كما أنت بكل ما فيك من أخطاء وعيوب وحسنات ومميزات فعلى الأرجح لن تكون حياتكما سعيدة.
لا تحاول أن تغير نفسك ولا تحاول أن تجعلها تحبك وتقتنع بك لأن هذا الأمر سيزول وتعود لاعتراضاتها الداخلية. 
وسيقولون لك-  أنظري للجانب الجميل فيه لكن هذا أيضا لن يفلح. سيكون ذلك مخدر موضعي ليس أكثر.
وسيقولون لك:
 ستعاملك كقطعة فنية غير مكتملة وستحاول تغييرك باستمرار لتوافق رؤيتها عن فارس الأحلام الذي عاشته في خيالها ولن تفلح هي في تغييرك ولن تفلح أنت في إقناعها بنفسك.
سيقولون لك : 
 الرجال لا يتغيروووووون. نفس الحلم في الطفولة هو نفسه عند الشيخوخة.
ويقول اللطيف الخبيرالذي يعلم من خلق: 
1- ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 19]،
 في هذه الآية أَمَر الله تعالى الرِّجال عمومًا، والأزواجَ خصوصًا بِحُسْن معاشرةِ النساء، والمعاشرة: مِن العِشْرَة، وهي: المخالطة، والمعروف: هو ما عَرَّفه وحدَّده الشارع، وأمَر به من التلطُّف مع النساء، والرحمة بهنَّ، وحُسن الخُلُق معهن، وطِيب القول لهن.
ومعنى الآية: صاحبوهنَّ، وعاملوهنَّ بالمعروف مما حَضَّ عليه الشرع، وارتضاه العقلُ مِن الأفعال الحميدة، والأقوال الحسَنة، بأن تُلاطفوهنَّ في المقال، وتتَجَمَّلُوا معهنَّ في الفعال.
قال ابنُ كثير في تفسيره 
(2/ 242): "﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ أي: طَيِّبُوا أقوالكم لهنَّ، وحَسِّنُوا أفعالكم وهَيْئَاتِكُم بحسب قُدرتكم، كما تحبُّ ذلك منها، فافعل أنت مثله".
وقال الغزالي في الإحياء
 (2/ 43): "والمعاشرة بالمعروف تكون بِحُسْن الخُلُق معها، وكف الأذى عنها، بل احتمال الأذى منها، والحِلْم عن طيشها وغضبها؛ اقتداءً برسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقد كانتْ أزواجه تراجعْنَه الكلام؛ بل أن يَزيد على احتمال الأذى منها بالمداعبة، والمزاح والملاعبة، فهي التي تُطَيِّب قلوبَ النساء، وقد كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يمزح معهنَّ".
ثم ختَم الله الآية الكريمة بقوله: ﴿ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 19]؛ ليُبَيِّن أنَّه لا يصحُّ للرجال أن يسترسلوا في كراهية النِّساء إن عرضت لهم أسبابُ الكراهية، بل عليهم أن يُغَلِّبُوا النظرَ إلى المحاسن، ويتغاضوا عن المكارِه.
فمعنى الآية: إن وُجِد سببُ سوء المعاشَرة - وهو: الكراهية - فكرهتم صحبتهنَّ وإمساكهن، فتثبَّتوا ولا تتعجَّلوا في مفارقتهن بالطلاق، فإنَّه عسى أن تكرهوا شيئًا، ويجعل الله لكم في الصبر عليه خيرًا كثيرًا في الدنيا والآخِرة.
فجَعل الله العشرة بالمعروف فريضةً على الرجال حتى في حالةِ كراهية الزوج لزوجته، وجعَل للزوج في ذلك خيرًا كثيرًا.
2 - قال الله تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 21].
وفي هذه الآية يُبَيِّن الله تعالى أنَّ مِن آياته العظيمة أن جَعَل بين الزوجين المودَّةَ والرحمة، وبيَّن أن النكاح مبنيٌّ على هذه الأصول: السكن، والمودَّة، والرحمة.
فقال: ﴿ لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ﴾، والسكينة: الطمأنينة، والأُنس، والاستقرار؛ أي: لتألفوا بها، وتطمئِنُّوا إليها، فجعَل الله المرأة سكنًا للرجل يأوي إليها، ويطمئن بها، ويستقر عندَها، فبيَّن أنَّ البيوت ينبغي أن تُبْنَى على الطمأنينة والسكينة، وهو ما يؤدِّي إلى الاستِقْرار في الحياةِ الزوجية.
ثم قال سبحانه: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾، فبيَّن في هذه الآية أنَّ العلاقة بيْن الرجل وزوجه مبنيةٌ على المحبَّة، والمودة، والأُلْفة، فإنِ انتفى الحبُّ فلتكن العلاقة مبنيَّة على الرَّحْمة بها، والعطف عليها؛ لأنَّها الحلقة الأضعَف، وقد حرَّج النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - علينا حقَّها بقوله: ((إني أُحَرِّج عليكم حقَّ الضعيفين: اليتيم، والمرأة))صححه النسائي والالباني ]، وهذه الآية تؤكِّد ما أفادتْه الآية الأولى: بأنَّه إن كَرِه الرَّجلُ المرأةَ، وانتهتْ علاقة الحُبِّ والوُدِّ بينهما، فلا يُفارقها، بل يُعاملها بالرحمة، والرأفة، والشفقة، وهو المعروف الذي ذَكَرَه في الآية الأولى؛ ولِذَا قال ابن عباس في تفسير الآية: "المودَّة: حبُّ الرجل امرأته، والرحمةُ: شفقتُه عليها أن يصيبَها بسوء" وذلك إنِ انتفت المحبَّة، وحلَّت مكانها الكراهية.
3 - قال الله تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 228].
يُؤكِّد الله - سبحانه وتعالى - في هذه الآية أنَّ للمرأة على زوجها حقوقًا كما أنَّ له عليها حقوقًا، فعليه أن يُوَفِّي لها حقوقَها بالمعروف الذي ترضاه الطباعُ السليمة، ووافق ما شرَعه الله، فلا يستوفي حقوقَه منها، ويظلمها حقوقَها، فالمعنى: وللنساء على الرجال مثلُ ما للرجال على النساء، فليؤدِّ كل واحد منهما إلى الآخَر ما يجب عليه بالمعروف.
وقدْ قال ابن عباس: "إني لأتزيَّن لامرأتي كما أُحِبُّ أن تتزين لي؛ لأنَّ الله قال: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 228]"
ويقول - صلَّى الله عليه وسلَّم - تُبَيِّن لك عظمَ هذا الأمر، وتُحذِّرك من خَطَر مخالفته:
عن أبي هُريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا يفرك مؤمنٌ مؤمنة، إنْ كَرِهَ منها خُلقًا، رَضِيَ منها آخر - أو قال: غيرَه)) أخرجه مسلم في صحيحه، والفرك: هو البُغض بين الزوجين، ومعنى الحديث: لا يَنبغي للزوج أن يُبْغِض زوجتَه بغضًا يحمله على فراقها؛ لأنَّه إن وجد فيها خُلُقًا يكرهه، وجد فيها خُلُقًا آخرَ يرضاه منها، فعليه أن يغفرَ سيئها لحُسْنها، ويَتَغَاضَى عمَّا يكره لِمَا يحب منها.
وفيه إشارةٌ أيضًا إلى أن الصَّاحب لا يوجد بدون عيْب، فإنْ أراد الشخص صاحبًا بريئًا من العيب بقِي بلا صاحِب.
وفي هذا القَدْر كفاية لمَن امتثل أمر الله - عزَّ وجلَّ - واتَّبَع هدْي نبيه - صلَّى الله عليه وسلَّم - وسار على نهْج السَّلَف الصالح - رحمهم الله تعالى.
 وآخِر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرفِ الأنبياء والمرسَلين، وآله وصحْبه والتابعين، ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين.


د. طارق محمد بن حزام
باحث فى الأمن الفكري