الكاتب : النهار
التاريخ: ١٧ نوفمبر-٢٠٢٤       16115

بقلم - د.  غالب محمد طه 

مع تزايد الاهتمام بالتحولات الكبرى في السعودية، مثل رؤية 2030، تتبادر إلى الذهن تساؤلات مهمة: لماذا تثير الكتابة عن السعودية اهتمامًا واسعًا في الإعلام العربي؟، وكيف تساهم هذه الكتابة في تعزيز التفاهم الثقافي بين الشعوب؟ وما هي التحديات التي يواجهها الكتاب في تصوير التغيرات الثقافية والاجتماعية في المملكة؟ هذه الأسئلة وغيرها تشغل ذهن كل من يتابع المشهد السعودي. الكتابة عن الشأن السعودي تعد قضية مثيرة للجدل في الإعلام العربي، بسبب الحساسيات المحيطة بها. 

حيث يواجه الكتاب العديد من التحديات المرتبطة بالنظرة السائدة تجاه هذه القضايا، ما يؤدي إلى تقليص الفرص لطرح وجهات نظر متنوعة، مما يجعل النقاشات تصبح ضيقة وأحيانًا أحادية في ظل غياب التحليل الشامل. 

إضافة إلى ذلك، يُنظر إلى القضايا السعودية في بعض الأحيان من زاوية محدودة لا تأخذ في الحسبان أبعادها الإقليمية والدولية، مما يعوق الفهم الكامل للتحولات الجارية في المملكة.

تتجاوز الكتابة عن الشأن السعودي الحدود الوطنية لتصبح قضية عالمية، فالمملكة تلعب دورًا محوريًا في المنطقة العربية والعالمية؛ التحولات التي تشهدها من الناحية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية تؤثر بشكل عميق ليس فقط في المملكة، ولكن أيضًا في مستقبل المنطقة بأسرها. 

تناول هذه التحولات يُعد خطوة ضرورية نحو خلق حوار بناء يعكس صورة شاملة وواقعية، كما يساهم في إبراز كيف تؤثر هذه التحولات على محيطها الإقليمي والدولي.

شهدت الصين تحولات ضخمة منذ بدء الإصلاحات الاقتصادية في أواخر السبعينات، ما جعل الكتابة عنها تتسم بجدل مشابه لما نراه اليوم في الكتابة عن السعودية. 

ففي البداية، كان هناك تحفظ واسع النطاق في الإعلام الغربي بخصوص الصين، حيث تعرض الكتاب الذين تناولوا التغيرات هناك لانتقادات بسبب الصور النمطية أو التحيزات، ومع مرور الوقت، بدأ الإعلام العالمي في تقديم سرد أكثر توازنًا عن التحولات الصينية الاقتصادية والاجتماعية. 

على غرار ذلك، فإن الكتابة عن السعودية، دولة مهبط الوحي ومهد الحضارة الإسلامية، تشهد تحولًا مماثلًا، حيث يواجه الكتاب تحديات في تقديم صورة دقيقة وشاملة للتغيرات التي تشهدها المملكة في إطار رؤية 2030. 

السعودية، بتأثيرها العميق في العالمين العربي والإسلامي، لا تقتصر تحولاتُها على الاقتصاد والاجتماع فحسب، بل تمتد لتشمل بُعدًا دينيًا وثقافيًا يؤثر في شتى أنحاء العالم. وبالتالي، فإن الكتابة عنها تتجاوز حدود السرد الإعلامي التقليدي لتكون جزءًا من حوار عالمي حول التوازن بين الحداثة والتمسك بالجذور.

عندما يتطرق الكتاب إلى الحديث عن المملكة، يجدون أنفسهم في مواجهة نقيضين؛ فعندما يعبّرون عن الإيجابيات والنجاحات، يُتهمون بالمحاباة والنفاق، في حين أن الانتقاد قد يُفهم على أنه تهجم أو ابتزاز. كما أشار الكاتب رياض الريس في كتابه "رياح الشمال": "الكتّاب في هذا المجال يعيشون تحت ضغط دائم بين الإيجابية المبالغة والنقد المبالغ فيه".

 وهذه الضغوط تحد من حرية التعبير وتؤثر على قدرة الكتاب على تقديم صورة موضوعية ومتوازنة. من خلال تجربتي الشخصية، ومع نشر العديد من المقالات حول الشأن السعودي، لم تقتصر الكتابة على ما يقدمه الإعلام المحلي، بل امتدت لتشمل النظر إلى هذه التحولات من منظور عالمي. فأعتقد أن رؤية 2030 لم تعد مجرد خطة إصلاح محلية، بل أصبحت إطارًا يؤثر بشكل كبير في الاقتصاد العالمي والمشهد السياسي في المنطقة.

بغض النظر عن الحساسيات التي تطرحها الكتابة حول السعودية، فإن رؤية 2030 تظل محورًا رئيسيًا في فهم التحولات التي تشهدها المملكة؛ هذه الرؤية لا تقتصر على إعادة هيكلة الاقتصاد السعودي، بل تشمل أيضًا تحولًا اجتماعيًا وثقافيًا عميقًا. 

الكتابة حول هذه الرؤية هي بمثابة استكشاف لتوجهات السعودية في السعي إلى تنويع مصادر الدخل، وتحقيق المزيد من الانفتاح الثقافي والاجتماعي في إطار نظام سياسي محافظ، لتصبح الكتابة عن التحولات الكبرى في السعودية مجالًا يستحق الاهتمام، ليس فقط في المملكة ولكن أيضًا في العالم العربي. 

هذه الكتابة لا تقتصر على تغطية الأحداث اليومية، بل تمنحنا فرصة لفهم كيف يتكيف بلد بحجم المملكة مع المتغيرات العالمية وكيف يمكننا كتابة تاريخ هذه التحولات بشكل حي وواقعي. 

السعودية تعتبر دولة رائدة في العديد من المجالات، ولذا فإن الكتابة عن قضاياها تتيح الفرصة للقارئ العربي للتعرف على جوانب متعددة من الحياة السعودية الحديثة، سواء من خلال مشاريعها الاقتصادية أو تحولات المجتمع الثقافية. 

هذه الكتابة تسهم في تعزيز التفاهم بين الثقافات، كما تتيح للقراء فرصة رصد تأثير السعودية على الأبعاد الإقليمية والدولية.

الكتابة عن الشأن السعودي لا تقتصر على تسليط الضوء على القضايا الداخلية، بل تتجاوز ذلك لتعزيز الحوار الثقافي بين الشعوب، فالتواصل بين الثقافات أصبح ضرورة حيوية، وتُسهم الكتابة عن السعودية في تسهيل هذا الحوار، مما يعزز قدرة الصحافة على نقل التجارب الإنسانية والاقتصادية المختلفة. متابعة التحولات في المملكة لا تقتصر على تعزيز الفخر والانتماء، بل تفتح أمامنا نافذة لفهم الفرص والتحديات التي تواجهها السعودية في سعيها نحو المستقبل، كل مقال عن السعودية هو رحلة استكشافية تعمق فكرنا حول دور المملكة في تشكيل ملامح المنطقة والعالم، ويتيح لنا رؤية الصورة الأوسع لرؤية 2030 وتغيراتها التي تطال الأبعاد السياسية، الاقتصادية والثقافية.

إذا كانت التحولات التي تشهدها السعودية تعيد تشكيل ملامح المنطقة والعالم، فما الدروس التي يمكننا استخلاصها لفهم قدرتنا على التأثير في مسار التاريخ، وكيف يمكننا إعادة صياغة هويتنا في مواجهة التحولات المستمرة التي تشهدها الإنسانية؟.