الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ يوليو-٢٠٢٤       29865

بقلم - صالح معيض الغامدي

لو تأملنا محتويات أغلب السير الذاتية لوجدنا أنها تستند على مصادر متعددة، وليس على مصدر واحد فقط كما يعتقد، وهو حياة كاتبها الذاتية. 

فكاتب  السيرة الذاتية  هو فعلا يعتمد على تجاربه الحياتية التي عاشها عن طريق استعادتها أو استعادة ما يريد استعادته منها، لكن هذا ليس كل ما هو موجود في سيرته، فهو يعتمد أيضا على تجاربه التي تحصّل عليها من خلال مسموعاته، أي ما كان يسمعه من غيره عن نفسه وعن المجتمع من حوله وعن الآخرين بشكل عام. فكثير من ملاح طفولته، على سبيل المثال، مبني على ما سمعه من والده أو والدته أو أحد أقربائه ومعارفه، كما أنه يستعين في كثير من تجاربه في مجال دراسته وعمله ومهنته بما سمع ممن احتك بهم وبخاصة عندما يتوجه بالسؤال إليهم، كأن يقول في سيرته " وأذكر أني سألت فلانا ذات مرة فقال لي أو فأخبرني … أو يقول سمعت فلانا يقول كذا وكذا …. وغيرهما من العبارات المشابهة. 

ومن التجارب غير الذاتية الأخرى التي يضمنها كاتب  السيرة الذاتية  سيرته التجارب الغيرية التي شاهدها، أو مشاهداته بشكل عام، فرؤاه 

عن ذاته وعن المجتمع الذي عاش فيه وعن تشكيل تجاربه الذاتية الخاصة كلها مبنية إلى حد كبير على تلك المشاهدات، بغض النظر عما إذا كانت هذه المشاهدات صحيحة أم لا. فكل تلك المشاهدات التي يختزنها كاتب  السيرة الذاتية  في ذاكرته منذ الطفولة إلى وقت كتابة سيرته الذاتية تلعب دورا رئيسا في التشكيل النهائي لسيرته.

ومن التجارب المهمة في تشكيل  السيرة الذاتية  التجربة القرائية لكاتب السيرة الذاتية، فقراءاته تشكل رافدا مهما من روافد سيرته الذاتية فهي التي تثري تجاربه الحياتية وتلعب دورا رئيسا في تكوين شخصيته، وقد يكون استدعاء كاتب السيرة لقراءاته استدعاء واعيا ومقصودا وقد يكون غير واع وغير مقصود وإنما يستدعى عن طريق اللاوعي. وعلى الرغم من أهمية قراءات المرء في تشكيل سيرته الذاتية، إلا أن قراءة كتب السير الذاتية والمذكرات وما في حكمها من نصوص الأدب الذاتي تكون أهميتها أكبر في الطريقة التي تصاغ بها سيرة الكاتب الذاتية، سواء اتفق الكاتب مع هذه السير أم اختلف .

ومن التجارب المهمة التي يستثمرها كاتب  السيرة الذاتية  في سيرته التجارب المتخيلة، أو على الأقل التجارب الحقيقية التي يُدخل في سردها قدرا من الخيال، إما بسبب أن هذه التجارب لم تعد واضحة في ذاكرته بسبب ما قد يطرأ عليها من نسيان، أو بسبب أنه يريدها أو يتمناها أن تكون قد وقعت بهذه الطريقة المتخيلة، وقد يحدث كل هذا دون وعي كامل من كاتب  السيرة الذاتية  بجوانب الاختلاق التي تكتنف سرد سيرته الذاتية. أما الاختلاق الواعي الصريح والتزوير فموضوع آخر، لا علاقة له بما ذكرناه هنا، ويمكن تناوله بوصفه موضوعا قائما بذاته.