الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٦ نوفمبر-٢٠٢٦       2420

بقلم: عبدالله الكناني

ننتمي، نحن أبناء هذا الوطن وأفراد الأسرة السعودية، إلى دولةٍ تضرب جذورها في أعماق التاريخ والحضارة، وتمتد على مساحة واسعة من شبه الجزيرة العربية. 

نعتز بديننا وقيمنا، ونفخر بقيادتنا ووطننا، ونمضي بالعلم والمعرفة والرقي نحو المستقبل، ونرتقي بوعينا وطموحنا إلى آفاق تتجاوز الأمية والجهل بالواقع المحيط.

 

من هذا الاعتزاز أكتب، لا مبالغةً في الثناء على ما تحقق بحمد الله، بل إيمانًا بأن صون المنجز الوطني مسؤولية تتسع لكل مجال تتشكل فيه أفكار الناس ووعيهم.

 

استمعت إلى *خطبة الجمعة*  لهذا الأسبوع، التي حذّرت من العصبية القبلية ومثيريها، ومن خطورة الحسابات المضللة التي تستهدف النسيج الاجتماعي واللحمة الوطنية،واستوقفني اجتماع المنابر على كلمة واحدة، بما يحمله ذلك من معنى يتجاوز اختلاف الأمكنة، ويؤكد أن للكلمة، حين تتجه إلى مقصد جامع، أثرًا في توحيد الصف، وترسيخ اللحمة، وتذكير المجتمع بما يجمعه.

 

وهنا يطيب لي أن  *أشكر وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، وعلى رأسها معالي الشيخ الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ*، على ما يبذله من جهود في التوجيه والتواصل الميداني والإعلامي، وعلى عناية الوزارة برسالة المنبر وصونها من أطروحات قد لا تراعي مقتضى الحال، أو لا تقدّر أثر الكلمة ومآلاتها.

 

وفي حوار مع الزملاء الإعلاميين ، اتفقنا على أن  *رسالة الوعي*  لا تقف عند أبواب المساجد، فثمة *منابر أخرى يتسع حضورها كل يوم*، وتصل إلى الناس عبر الهواتف والمنصات الرقمية، ويتابعها الملايين، ويتأثرون بما تنشره من أخبار وآراء وإعلانات، *فإذا كانت الكلمة المؤثرة مسؤولية*، فإن  *تنظيم فضائها المهني لم يعد شأنًا تقنيًا محدودًا، بل ضرورة وطنية وإعلامية*.

 

*من هنا*، أرجو أن تواصل *وزارة الإعلام، بقيادة معالي الأستاذ سلمان الدوسري*،   وبالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، تطوير الأطر التنظيمية للمنصات الرقمية التي تمارس نشاطًا إعلاميًا منتظمًا، بما يعزز مؤسسيتها، ويوضح طبيعة نشاطها والمسؤولية عنه. 

وقد قطعت الوزارة والهيئة خطوات مميزة في تنظيم بعض الأنشطة، فالأنظمة واللوائح القائمة تتضمن مسارات للترخيص الإعلامي، كما تنظّم تقديم الأفراد للمحتوى الإعلاني عبر المنصات. 

وهذا يجعل *تطوير التنظيم المقترح امتدادًا لعمل قائم*، وفق اختصاصات الجهات المعنية والأنظمة النافذة.

*فالمنصة التي تمارس النشر الإخباري أو التحليل أو إنتاج المحتوى العام بصورة منتظمة، وتخاطب الجمهور بوصفها مصدرًا للمعلومة، تحتاج إلى إطار مهني واضح، إما بالعمل ضمن مؤسسة إعلامية مرخصة، وإما باستيفاء المتطلبات التي تقررها الجهة المختصة لنشاطها.* 

أما *الإعلان* والترويج للسلع والخدمات، فينبغي أن يكونا نشاطين واضحَي الصفة، خاضعين لما تقرره الأنظمة واللوائح، مع التمييز بين العمل الإعلامي والتحرير الصحفي من جهة، و  *التسويق التجاري والمحتوى الإعلاني*  من جهة أخرى.

ولا يعني ذلك الانتقاص من الأفراد أو من مكونات المجتمع، ولا التقليل من مكانة القبيلة أو المنطقة او المحافظة التي تنتشر منصاتها ، فهما من روافد الهوية الوطنية ومصادر الاعتزاز. 

إنما المقصود ألا تُختزل هوية المنصة الإعلامية في انتماء قبلي أو مناطقي، وألا تحجب هذه العناوين رسالتها الأوسع، المتمثلة في خدمة الوطن، إنسانًا ومكانًا، وتناول قضاياه الجامعة بمهنية ومسؤولية.

 

فـ *العمل الإعلامي يقوم على أركان مترابطة، مرسلٌ تُعرف صفته ومسؤوليته، ومضمونٌ تُصان دقته ومهنيته، ووسيلةٌ تُدار بوعي وشفافية*. 

وإذا غابت المعايير الواضحة، اختلط الخبر بالإعلان، والرأي بالمعلومة، وتراجعت قدرة الجمهور على معرفة مصدر ما يتلقاه والغاية منه. 

لذلك تبرز أهمية توثيق الممارسين، وتحديد طبيعة الأنشطة، وتعزيز المساءلة المهنية، مع مراعاة الوضوح والتناسب بين المتطلبات وطبيعة النشاط في أي تنظيم جديد.

*لقد أثبتت بلادنا قدرتها على التقدم برؤية واضحة، وقيم راسخة، وتنظيم فاعل، وجعلت رؤية المملكة 2030 المجتمع الحيوي والاقتصاد المزدهر والوطن الطموح مسارات متكاملة.*

والإعلام المهني جزء من هذه المنظومة، يتكامل دوره مع رسالة المسجد والمنبر في بناء الوعي العام، ويستحق عناية تليق بحجم حضوره ومسؤولية رسالته.

*إن مؤسسية المنصات لا تنتقص من قيمة الكلمة، بل تعزز الثقة بها، وتوضح المسؤولية عنها، وتمنحها إطارًا يخدم وطنًا يجمع أبناءه على الوعي والانتماء*.