الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٦ نوفمبر-٢٠٢٦       4400

بقلم : عبد الناصر بن علي الكرت

لم تعد مظاهر الابتذال والانحدار الأخلاقي على بعض منصات التواصل الاجتماعي مجرد محتوى سطحي أو ممارسات عابرة، بل تجاوزت ذلك إلى مشاهد وتصرفات تخدش الحياء، وتصادم الثوابت الدينية والقيم الاجتماعية، وتنتهك ما ينبغي أن يكون مصوناً من كرامة الإنسان وخصوصيته. وأصبح بعض من يطلق عليهم وصف «المشاهير» يتعاملون مع البث المباشر وكأنه مهنة قائمة بذاتها، لا تتطلب علماً ولا موهبة ولا إبداعاً، وإنما يكفي أن يمتلك صاحبها الجرأة على تجاوز المألوف، واستفزاز الذوق العام، والاستعراض السخيف، وربما التخلي عن أبسط معايير الحياء، لحصد المتابعات والإهداءات والأموال!

والأشد إيلاماً أن بعض هذه الممارسات بلغت حد تقديم الجسد والمفاتن سلعةً رخيصة من بعض النساء الساذجات لجذب الأنظار واستدرار الدعم، في مشهد يختزل الإنسان في مظهره والمرأة في جسدها، والكرامة في مقدار ما تحصده من مشاهدات وإهداءات. وكأننا أمام سوق جديدة لا تقاس فيها قيمة المرء بما يحمل من فكر أو خلق أو إنجاز، بل بقدرته على إثارة الفضول واستقطاب المتابعين، ولو كان الثمن التنازل عن الحياء والاستخفاف بالقيم، وبيع الشرف!

وقديماً قالت العرب في مثلهم الشهير: «تجوع الحُرّة ولا تأكل بثدييها»، في إشارة إلى عزّة النفس وصيانة الكرامة، ورفض اتخاذ مواطن الخصوصية وسيلة للارتزاق والابتذال. فما أحوجنا اليوم إلى استحضار المعاني النبيلة التي تحملها مثل هذه الحكم، في زمن اختلطت فيه مفاهيم الحرية بالتفلّت، والشهرة بالانحدار، والنجاح بالوقاحة والقدرة على استدراج الجمهور بأي وسيلة كانت.

غير أن الإنصاف يقتضي ألا نحصر المشكلة في صناع هذا المحتوى وحدهم، فهؤلاء مهما بلغ ابتذالهم، لن يجدوا سوقاً رائجة لولا جمهور يمنحهم وقته واهتمامه وماله، ويتابع تفاصيل حياتهم وكأنها أحداث تستحق الانتظار والاحتفاء. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة. فالتفاهة لا تصنع شهرتها بنفسها، وإنما يصنعها من يرفعها، ويصفق لها، ويموّل استمرارها، ويمنح أصحابها مساحة من الحضور تتجاوز ما يستحقونه. وكل مشاهدة ترفع من انتشار المحتوى، وكل إهداء يمول استمراره، وكل مشاركة تسهم في إعادة إنتاجه، حتى يصبح التافه مشهوراً، ثم يتحوّل، من حيث لا نشعر، إلى نموذج يطمح بعض الناشئة إلى تقليده.

ولعل الخطر الأكبر لا يكمن في الشهرة ذاتها، وإنما في اختلال معايير التقدير حين يتراجع أصحاب العلم والفكر والإبداع والإنجاز إلى الصفوف الخلفية، بينما يتصدر المشهد من لا يملك سوى إثارة الجدل واستنزاف أوقات الناس. وعندما تصبح التفاهة طريقاً مختصراً إلى الثراء والانتشار، فإننا لا نكون أمام خلل في الذوق العام فحسب، بل أمام أزمة وعي تهدد منظومة القيم، وتربك مفهوم القدوة لدى الأجيال الناشئة.

وهنا يبرز السؤال الأهم: من المسؤول عن هذا الفراغ الذي يدفع أبناءنا إلى متابعة التافهين والانشغال بتفاصيل حياتهم؟ أهو تقصير في التربية والتوجيه الأسري، أم ضعف في دور المؤسسات الإعلامية والثقافية والتعليمية، أم خلل في وعي المتلقي نفسه؟ والحقيقة أن المسؤولية مشتركة، ولا يصحّ تحميلها لجهة دون أخرى. فالأسرة مطالبة بتوجيه الأبناء ومناقشة ما يتابعونه، والمدرسة والجامعة بتعزيز الوعي والتفكير النقدي، والإعلام بتقديم القدوات والمحتويات الجادة، والمنصات بتطبيق الأنظمة والحد من التجاوزات، والجهات المعنية بحماية القيم والآداب العامة ومحاسبة كل من يتجاوز الأنظمة أو يسيء إلى الثوابت الدينية والأخلاقية.

كما أن المواجهة لا ينبغي أن تقتصر على التحذير والاستنكار، بل تتطلب عملاً مجتمعياً ورسمياً منظماً لدعم المبدعين وأصحاب المواهب والإنجازات، وإبراز النماذج المشرفة في العلم والثقافة والإعلام والفن والرياضة والعمل والإنتاج، وصناعة محتوى جاذب وهادف ينافس المحتوى الهابط ويستقطب اهتمام الأجيال. فليس كافياً أن نطالب أبناءنا بالابتعاد عن القدوات الزائفة ما لم نقدم لهم نماذج حقيقية تستحق الإعجاب والاقتداء.

وفي صميم هذه المعالجة تأتي ضرورة تعزيز فضيلة الحياء وترسيخها في النفوس، باعتبارها قيمة إيمانية وأخلاقية تحفظ للإنسان كرامته وتصون المجتمع من الانحدار. فالحياء لا يقف عائقاً أمام النجاح أو الحضور أو تحقيق الطموحات، بل يعزز الكرامة، ويهذب السلوك، ويضع للحرية حدوداً تحمي الإنسان من الانسياق وراء الابتذال. لما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن: «الحياء شعبة من الإيمان».

ولا شك أن المجتمعات لا تفقد قيمها دفعة واحدة، وإنما تتآكل حين تعتاد القبيح، وتألف المستهجن، وتكافئ من يتجاوز حدود الأدب والفضيلة. وحين يصبح الانحراف مألوفاً بفعل التكرار، ويغدو الابتذال وسيلة للثراء والشهرة، فإن الخطر يتجاوز جيل الحاضر إلى مستقبل الأجيال التي تتشكل ذائقتها ومعاييرها مما تشاهده وتتابعه.

لذلك، فإن معركتنا ليست مع أشخاص تافهين فحسب، بل مع ثقافة تمنح التفاهة قيمة، وجمهور يصنع لها سوقاً، وفراغ يتيح لها التمدد والانتشار. وليس كل مشهور جديراً بالاقتداء، ولا كل ما يملأ الشاشات يستحق أن يسكن العقول. وإذا أردنا حماية أبنائنا وصيانة مستقبلهم، فعلينا أن نعيد الاعتبار إلى معايير التميز الحقيقية، لتكون الأخلاق والعلم والعمل والإبداع هي الطريق إلى التقدير والمكانة.