الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٥ نوفمبر-٢٠٢٦       3300

بقلم- ليلى الحربي 
المسافة بين ما نشعر به وما نقوله هي المسافة التي يسكن فيها كثير منا. فيها الكثير من الكلام الذي لم نقله، والشعور الذي ظل مختبئًا داخلنا.

هذه المسافة يمكن أن نسميها المنطقة الرمادية من الشعور؛ تلك المنطقة الواقعة بين الحقيقة التي نعرفها في داخلنا، والكلمات التي نسمح لها بالخروج إلى العالم. فمشاعرنا ليست دائمًا للعرض، وأن تكون واضحًا أمام الآخرين قد يكلفك الكثير، وقد تجد نفسك في النهاية الطرف الخاسر.

ولهذا بدأنا نتقن فن الاختصار، حتى أصبحنا بارعين في إخفاء مشاعرنا، وفي قول كلمات لا تشبهنا. والمشكلة أن المشاعر التي لا تُقال لا تختفي دائمًا، وإنما قد يتغير شكلها؛ فتتحول إلى انفعال، أو انسحاب، أو خوف، أو صمت طويل لا يعرف أحد سببه.

هناك مسافة واسعة جدًا بين ما نقوله وما نشعر به، إلى الحد الذي قد لا نعود معه نعرف أيهما نحن. وهنا تبدأ غربة الإنسان الحقيقية.

ولهذا نحتاج أحيانًا أن نعود إلى أنفسنا، بعيدًا عن أدوارنا الاجتماعية، وعن سؤال: ماذا سيقولون؟ وبعيدًا عن الصورة التي صنعناها لأنفسنا أمام الآخرين، ونسأل السؤال الذي نخافه:

لو لم يكن هناك أحد تخسره، ولا أحد تخشى حكمه، ماذا كنت ستقول؟

ربما من هنا تبدأ علاقتنا الحقيقية بأنفسنا.

فالحياة، في معناها الأكثر نضجًا، ليست أن تقول كل ما تشعر به، وإنما أن تصل إلى تلك المنطقة النادرة التي تعرف فيها نفسك، وتعرف لماذا تصمت، ومتى تتكلم، وما الذي تخفيه عن الآخرين، وما الذي بدأت تخفيه حتى عن نفسك.

فالمسافة بين ما نقوله وما نشعر به تشبه تلك الهوة التي تحدث عنها الأدباء حين قالوا: «كم تبدو المسافة هائلة بين ما يشعر به المرء وبين ما يستطيع شرحه».

وقد تبدو هذه الظاهرة إنسانية شائعة، تعكس الفجوة بين المشاعر الحقيقية وبين الكلمات التي نستطيع أن ننطق بها.

لكن لماذا تنشأ هذه الفجوة؟ وما الذي ساعد على اتساعها؟

الخوف من الرفض أحد أسبابها، والنقد الاجتماعي سبب آخر. فنحن لا نعيش وحدنا، وإنما داخل مجتمع له توقعاته وصورته الخاصة عن القوة والضعف، وعن المقبول وغير المقبول.

ومجتمعنا الحديث يطالبنا أحيانًا بأن نكبت مشاعرنا حتى ننجز مهامنا، وأن نستمر رغم التعب، وأن نبدو بخير حتى عندما لا نكون كذلك. ومع الوقت يصبح كبح المشاعر أمرًا اعتياديًا، حتى ننسى أن لنا الحق في أن نتعب، وأن نحزن، وأن نقول: لا أستطيع.

اليوم يخاف الكثيرون من إظهار ضعفهم وحزنهم أمام الآخرين، فيميلون إلى الظهور بمظهر السعيد حتى وهم يتألمون. والمشاعر التي نحاول دفنها لا يعني ذلك أنها انتهت؛ فالكبت المستمر قد يستنزف الإنسان نفسيًا، وقد يظهر أثره أحيانًا في الجسد أو في طريقة تعاملنا مع أنفسنا والآخرين.

وقد تحدث كيركغارد عن علاقة الإنسان بذاته، وعن الصراع الذي يحدث حين لا يكون الإنسان قادرًا على مواجهة حقيقته الداخلية. وربما لهذا فإن إنكار ما نشعر به لا يجعل الشعور أقل حقيقة، وإنما يجعلنا أقل قدرة على فهمه.

فالصدق مع الذات لا يعني أن نقول كل شيء، ولا أن نحول مشاعرنا إلى شيء معروض أمام الآخرين. الصدق يبدأ من أن نعرف ما الذي نشعر به أصلًا.

أن تعرف أنك غاضب بدل أن تقول: أنا بخير.

أن تعرف أنك حزين بدل أن تختبئ خلف كلمة: عادي.

أن تعرف أنك رفضت شيئًا، حتى لو اخترت في النهاية أن تقبله.

فالصدق مع الآخرين يبدأ من الصدق مع الذات، والصدق مع الذات يحتاج أحيانًا إلى شجاعة أكبر من الكلام.

والتكامل الحقيقي ربما لا يكون في أن نعيش بكل ما نشعر به، ولا في أن نكبت كل ما نشعر به، وإنما في أن نجد توازنًا بين قلب واعٍ وعقل ناضج؛ أن نتواصل بصدق، لكن دون أن نستنزف أنفسنا في شرح كل شيء، وأن نجيد فن المجاملة دون أن نفقد أنفسنا داخلها.

فالإنسان لا يعيش دائمًا بما يشعر، بل بما يستطيع أن يقوله عن شعوره.

إذن، ما نقوله ليس دائمًا ترجمة لما نشعر به. أحيانًا يكون النسخة التي سمح لنا المجتمع أن نقولها.

نقول ما يتوقعه الآخرون حتى عندما لا نعرف ماذا نريد.

نوافق ونحن نرفض.

نسامح قبل أن نتعافى.

نقول «عادي» حتى يصبح الألم عاديًا فعلًا في نظر الآخرين.

وهنا تتحول المسافة بين الشعور والكلام من وسيلة للحماية إلى شكل من أشكال الاغتراب.

لكن ماذا لو كانت هذه المسافة أحيانًا هي الطريقة التي يحاول بها الإنسان أن يبقى متماسكًا؟

ماذا لو لم يكن الصمت دائمًا خوفًا، ولم يكن الاختصار دائمًا كذبًا؟

ربما أحيانًا لا نقول ما نشعر به لأننا لا نعرف كيف نسميه. وربما نخاف من نتائجه، وربما نحتاج إلى وقت حتى نفهمه قبل أن نضعه في كلمات.

وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا:

هل نحن نقول ما نشعر به، أم أننا مع الوقت نشعر بما اعتدنا أن نقوله لأنفسنا وللآخرين؟

هذا السؤال يقلب الموضوع من: لماذا نعبر عن مشاعرنا؟ إلى سؤال آخر أكثر عمقًا:

هل يمكن للكلمات التي نكررها طويلًا أن تعيد تشكيل مشاعرنا نفسها؟

هل كل ما نشعر به يمكن أن يتحول إلى لغة؟ أم أن بعض المشاعر تبقى أكبر من الكلمات، وأعمق من أن تستطيع اللغة احتواءها؟

ولهذا فإن المسافة بين الشعور والكلام ليست دائمًا مسافة كذب. أحيانًا تكون عجزًا عن تسمية الشعور، وأحيانًا خوفًا، وأحيانًا محاولة لحماية أنفسنا، وأحيانًا تكون حكاية طويلة نحكيها لأنفسنا حتى نستطيع الاستمرار.

وربما لا تكون المشكلة في أن هناك مسافة بين ما نشعر به وما نقوله؛ فهذه المسافة جزء من إنسانيتنا. المشكلة تبدأ حين تطول هذه المسافة إلى درجة أننا ننسى الطريق إلى أنفسنا.

حين نعتاد أن نقول «أنا بخير» حتى لا نعود نعرف إن كنا بخير فعلًا.

حين نقول «لا يهم» لأن الاعتراف بأنه يهم سيجعلنا أكثر هشاشة.

وحين نعيش طويلًا بالشكل الذي يرضي الآخرين، حتى يصبح من الصعب علينا أن نعرف أي حياة نريدها نحن.

ربما لا نحتاج أن نقول كل ما نشعر به، لكننا نحتاج على الأقل أن نكون صادقين مع أنفسنا ونحن نصمت.

أن نعرف أن هذا الصمت اختيار، لا خوف.

وأن نعرف أن هذه المجاملة لا تعني أننا تنازلنا عن أنفسنا.

فالنضج ليس أن تختفي المسافة بين ما نشعر به وما نقوله، وإنما أن نعرفها.

أن نعرف متى تحمينا، ومتى تخنقنا.

متى يكون الصمت حكمة، ومتى يكون هروبًا.

ومتى تكون الكلمات التي نقولها اختيارًا منا، ومتى تكون مجرد نسخة تعلمناها حتى لا نخسر أحدًا.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم: لماذا لا نقول ما نشعر به؟

بل:

هل ما زلنا نعرف ما نشعر به أصلًا؟

فربما أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يخفي شعوره عن الآخرين، وإنما أن يخفيه عن نفسه طويلًا، حتى يأتي يوم لا يعود فيه يعرف أين تنتهي الكلمات التي اعتاد قولها، وأين يبدأ صوته الحقيقي.

وربما تكون علاقتنا الحقيقية بأنفسنا قد بدأت في تلك اللحظة التي نستطيع فيها، ولو مرة واحدة، أن نقول لأنفسنا دون خوف:

هذا ما أشعر به فعلًا… حتى لو لم أستطع قوله لأحد.
وهكذا لا تصبح المشكلة أننا أخفينا مشاعرنا عن الآخرين فقط، بل أننا بدأنا نبتعد عنها نحن أيضًا.

نعيش طويلًا في المسافة بين الحقيقة التي تسكن داخلنا، والكلمات التي نستطيع أن نقولها عنها.

وربما لهذا نحتاج أحيانًا إلى أن نتوقف عن سؤال أنفسنا: «ماذا ينبغي أن أشعر؟»

وأن نسأل بدلًا من ذلك:

«ماذا أشعر فعلًا؟»

فربما تكون أول خطوة نحو الصدق، أن نعيد لأنفسنا حقها في أن تشعر، قبل أن نطالبها بأن تتكلم.