بقلم-د. علي بن عالي السعدوني
التميز الذي حققته الإدارة العامة للتعليم بالمنطقة الشرقية ما جاء من فراغ، ولا هو ضربة حظ أو نتيجة عمل بدأ وانتهى في يوم وليلة، فخلف هذا النجاح عقول اشتغلت وأيادٍ تعبت وجهود تستحق الشكر والتقدير، وخلف هذه الجهود تقف الدكتورة منيرة المهاشير المرأة التي دخلت ميدان القيادة وهي تعرف أن المسؤولية ليست كرسيًا يجلس عليه الإنسان وينتظر الناس تأتيه بالحلول، وإنما شغل ومتابعة وقرارات ومواقف، وأن المسؤول الناجح هو الذي يترك أثره في المكان ويجعل الناس يشعرون أن هناك شيئًا تغير إلى الأفضل، وأن الوقت الذي يمضي من أعمار الموظفين يستحق أن يُصرف في عمل نافع يعود خيره على المدرسة والمعلم والطالب.
والحق يقال إن الدكتورة منيرة المهاشير تحمل فكرًا إداريًا جميلًا وشخصية تعرف كيف تتعامل مع الناس وكيف تجمعهم حول العمل، وقد ظهر اهتمامها بترتيب أوراق الإدارة التعليمية وتقريب المسافات بين أقسامها وإشاعة روح الفريق الواحد، وهذه مسألة ليست سهلة كما يظن البعض، فكل واحد يعرف أن بعض المؤسسات تتعب من كثرة الخلافات وتداخل الصلاحيات وحب الظهور، وتجد الموظف أحيانًا مشغولًا بإثبات أن إدارته أفضل من إدارة زميله، وتضيع بين هذه الأمور أفكار جميلة وجهود كبيرة، أما القائد الذي يعرف قيمة الرجال والنساء الذين يعملون معه فإنه يجمعهم على هدف واحد ويجعل نجاح الواحد منهم فرحة للجميع، وهذه الروح التي نحتاج إليها في إدارات التعليم حتى يكون العمل أريح للناس وأسرع في الإنجاز وأقرب إلى حاجات الميدان.
ومن الأشياء التي تستحق أن نقف عندها في قيادة الدكتورة منيرة المهاشير أنها تعرف قيمة الطاقات الشابة، وتعطي الاهتمام للكفاءات التي لديها أفكار وقدرة على العمل ولا سيما العنصر النسائي الذي يستحق فرصته كاملة في مواقع المسؤولية، فكم من امرأة سعودية تحمل علمًا وخبرة وشخصية قيادية وتنتظر من يمنحها الثقة حتى تقدم ما لديها، وكم من شاب لديه فكرة لو وجدت من يسمعها ويتبناها لأصبحت مشروعًا يخدم آلاف الطلاب والمعلمين، والقيادة التي تعرف كيف تكتشف هؤلاء وتفتح أمامهم الأبواب تكسب عقولهم وقلوبهم، وتجعلهم يعملون بحماس لأنهم يشعرون أن تعبهم مقدّر وأن أفكارهم تلقى الاحترام.
وأنا ممن يرون أن الدكتورة منيرة المهاشير تملك سلاحًا جميلًا في شخصيتها القيادية، وهو سلاح الكلمة وحسن الحديث والقدرة على الإقناع، وهذه موهبة لا يملكها كل مسؤول، فبعض المسؤولين إذا تحدث مع موظفيه زاد الأمور تعقيدًا، وإذا حاول حل مشكلة فتح معها عشر مشكلات، وإذا أراد أن يقنع الناس بفكرة جعلهم ينفرون منها بسبب طريقته في الكلام، أما المسؤول الذي يعرف كيف يختار عباراته ويحترم من أمامه ويستمع إليه ويقنعه بالحجة والكلمة الطيبة فإنه يكسب الناس قبل أن يكسب المواقف، والمهاشير من الشخصيات التي تمنح اللغة قيمتها في القيادة، وتعرف أن الكلمة الطيبة إذا صاحبها قرار عادل وعمل جاد صنعت أثرًا قد لا تصنعه صفحات طويلة من التعاميم.
ومن أجمل ما يحتاج إليه الميدان التعليمي اليوم سرعة حل المشكلات، فالمدرسة إذا واجهتها مشكلة لا تريد أن تسمع عشرات التفسيرات أو تنتظر أسابيع حتى يأتيها الرد، ومدير المدرسة الذي يحمل مسؤوليات كثيرة يحتاج إلى مسؤول يسمعه ويفهم ظروفه ويعينه على تجاوز ما يواجهه، والمعلم الذي يقضي يومه بين الطلاب يستحق أن يجد من يقدّر جهده ويخفف عنه الأعمال التي تشغله عن تدريسه، ولهذا فإن سرعة الإنجاز التي تبرز في تجربة تعليم الشرقية تستحق التقدير، وخاصة عندما ترتبط بمشروعات تربوية واقعية يعرف أهل المدارس فائدتها ويشعرون أن من وضعها يفهم طبيعة العمل ولا يعيش بعيدًا عنه.
والشيء الذي يعجبني في الدكتورة منيرة المهاشير أنها تقدم نموذجًا للقائدة التي تريد أن يكون النجاح للجميع، فالإنجاز الكبير لا يصنعه شخص واحد مهما كانت قدراته، وإنما تصنعه مجموعة من الرجال والنساء الذين يجدون قيادة تحسن توجيه جهودهم وتعرف متى تتدخل ومتى تمنحهم فرصة العمل، ومن الوفاء أن نشكر كل من شارك في هذا التميز من القيادات والمشرفين والمعلمين والإداريين، وأن نعطي الدكتورة منيرة حقها من التقدير على ما تبذله من جهد في تحريك هذه الطاقات وجمعها تحت مظلة واحدة.
والناس يا دكتورة منيرة تعرف جيدًا من يعمل لأجلها، ومن يسمع صوتها ويقدّر تعبها، ومن يفتح الأبواب أمام أصحاب الكفاءة دون أن يسأل عن أسمائهم أو مواقعهم، ولعل أجمل ما في قيادتك أنك تعرفين أن وراء كل موظف طموحًا ينتظر فرصة، ووراء كل فكرة جميلة عقلًا يتمنى أن يجد من يسمعه، ووراء كل مشكلة تتأخر معالجتها إنسانًا قد أنهكه الانتظار، وهذه التفاصيل الصغيرة في نظر بعض المسؤولين هي التي تصنع الفرق الكبير في حياة الناس، وأحسب أن ما تقدمينه اليوم في تعليم الشرقية يتجاوز ترتيب الأوراق وتسريع الإنجاز إلى صناعة بيئة يشعر فيها الرجال والنساء أن لهم قيمة وأن جهودهم لن تضيع وأن أبواب النجاح ليست حكرًا على أسماء اعتادت الظهور، وما أجمل أن تغادر القيادات مواقعها وقد تركت خلفها نفوسًا راضية وكفاءات أنصفتها وفرصًا صنعتها وأعمالًا تشهد لها، فالكرسي يا دكتورة منيرة لا يبقى لأحد، ولكن السيرة الطيبة تبقى، والناس قد تنسى أسماء المشاريع وتواريخ القرارات، لكنها لا تنسى من وقف معها وأنصفها وأعاد إليها ثقتها بنفسها، وتلك منزلة لا تمنحها المناصب مهما علت، وإنما يصنعها الإنسان بأخلاقه وعدله وحسن صنيعه.
والناس يا دكتورة منيرة لا تنسى المسؤول الذي يفتح لها بابه ويسمع كلامها ويقدر ظروفها، ولا تنسى من يمنح أبناءها وبناتها فرصة يستحقونها ويجعلهم يشعرون أن لهم قيمة ومكانة، وقد تمر السنوات وتتغير المناصب وتذهب أسماء بعض المشروعات من الذاكرة، لكن السيرة الطيبة تبقى على ألسنة الناس، وما أجمل أن يقال عن مسؤول إنه جاء إلى مكانه فرتب أوراقه، وقرّب أهله، وأعطى أصحاب الكفاءة فرصتهم، وجعل العمل يمشي بروح واحدة.
وهذا هو النجاح الذي يرفع الرأس أن يفرح الناس بإنجاز إدارتهم، وأن يشعر كل واحد منهم أن له نصيبًا من هذا الفرح، وأن يكون وراء هذا كله قائدة تعرف أن المنصب تكليف، وأن الكلمة أمانة، وأن أجمل ما يتركه الإنسان بعد مغادرته أي موقع هو دعوة صادقة من قلب شخص أنصفه أو وقف معه أو فتح له بابًا من أبواب الخير.